نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٢
العبارات إن طابقت المعاني خبرا لمخبر و أمرا لمأمور و نهيا عن منهي فقد تعددت المعاني تعدد العبارات و إن لم تطابق فليست هي تعبيرات عنها و إنما هي عبارات لا معنى لها و ذلك كلام المجانين و إما أستر و أحكم إلى تمثل الروحاني بالجسماني و تشكل الملك بالبشر و ظهور المعنى بالعبارات فذلك في أسماعنا شبه طامات و كلمات فارغة فما التمثل و التشكل و كيف الظهور و التبين حققوا لنا ذلك إن كانت العبارة مشتملة على حقيقة و إلا فالمعلومات لا تحتمل أمثال هذه المجازفات و الذي عندنا أن جبريل شخص لطيف يتكاثف فيتراءى للبصر كالهوى اللطيف الذي لا يراء فيتكاثف فيتراءى سحابا أو نقول بإعدام و إيجاد لا يتمثل و يتشخص و بالجملة جوهر واحد لا يصير جواهر إلا بانضمام جواهر إليه و نحن لا نعقل من الجواهر إلا المتحيز و المتحيزان لا يتداخلان فلا معنى لما تمسكتم به.
قالت الأشعرية: ذهب شيخنا الكلابي عبد اللّه بن سعيد إلى أن كلام الباري في الأزل لا يتصف بكونه أمرا و نهيا و خبرا و استخبارا إلا عند وجود المخاطبين و استجماعهم شرائط التكليف فإذا أبدع اللّه العباد و أفهمهم كلامه على قضية أمر، و موجب زجر أو مقتضى خبر اتصف عند ذلك بهذه الأحكام فهي عنده من صفات الأفعال بمثابة اتصاف الباري تعالى فيما لا يزال بكونه خالقا و رازقا فهو في نفسه كلام لنفسه أمر و نهي و خبر و خطاب و تكليم لا لنفسه بل بالنسبة إلى المخاطب و حال تعلقه و إنما يقول كلامه في الأزل يتصف بكونه خبرا لأنا لو لم نصفه بذلك خرج الكلام عن أقسامه و لأن الخبر لا يستدعي مخاطبا، فإن الرب تعالى مخبر لم يزل عن ذاته و صفاته و عما سيكون من أفعاله و عما سيكلف عباده بالأوامر و النواهي.
و عند أبي الحسن الأشعري كلام الباري تعالى لم يزل متصفا بكونه أمرا و نهيا و خبرا، و المعدوم على أصله مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود ثم قال في دفع السؤال إذا لم يبعد أن يكون المأمور به معدوما لم يبعد أن يكون المأمور معدوما، و عضد ذلك بأنا في وقتنا مأمورون بأمر اللّه تعالى الذي توجه على المأمورين في زمن النبي صلى اللّه عليه و سلم فإذا لم يبعد أن يتأخر وجود المأمور عن الأمر بسنة لم يبعد أن يتأخر عنه بأكثر و لم يزل [١].
و الحق أن هذا الإشكال لا يختص بمسألة الأمر بل هو جار في كل صفة أزلية تتعلق بمتعلقها أزلا أنها كيف تتعلق بالمعدوم أ ليس اللّه تعالى عالما قادرا و العالم معدوم و كيف يتعلق العلم و القدرة بنفي محض و عدم صرف فعلى تقدير الوجود فكيف
[١] انظر: الغنية في أصول الدين النيسابوري (ص ١٠٦).