نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٦
أن كون الجوهر قائما بذاته قابلا للعرض متحيزا ذا مساحة و حجم أوصاف نفسية للجوهر و إن كانت معانيها مختلفة كذلك كون الكلام أمرا و نهيا و خبرا و استخبارا أوصاف نفسية للكلام، و إن كانت معانيها مختلفة، و ليس اشتمال معنى الكلام على هذه المعاني كانقسام العرض إلى أصنافه المختلفة و انقسام الحيوان إلى أنواعه المتمايزة فأقسام الشيء غير و أوصاف الشيء غير، و كل ما في الشاهد للكلام من الأقسام فهو في الغائب للكلام أوصاف و الذي يحقق ذلك أن المعنى قد يكون واحدا في ذاته و يكون له أوصاف هي اعتبارات عقلية ثم الاعتبارات العقلية قد تكون من جهة النسب و الإضافات و قد تكون من جهة الموانع و اللواحق أ ليست الإرادة قد تسمى رضى إذا كان فعل الغير واقعا على نهج الصواب و قد تسمى هي بعينها سخطا إذا كان الفعل على غير الصواب كذلك يسمى أمرا إذا تعلق بالمأمور به و يسمى نهيا إذا تعلق بالمنهي عنه و هو في ذاته واحد و تختلف أساميه من جهة متعلقاته حتى قيل إن الكلام بحقيقته خبر عن المعلوم و كل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه ضرورة فإن تعلق بالشيء الذي وجب فعله سمي أمرا و إذا تعلق بالشيء الذي حرم فعله سمي نهيا و إن تعلق بشيء ليس فيه اقتضاء و طلب سمي خبرا و استخبارا فهذه أسامي الكلام من جهة متعلقاته كأسامي الرب تعالى من جهة أفعاله.
ثم نقول ليس بيد الخصم في هذه المسألة إلا مجرد الإلزام على مذهب من قال بوحدة الكلام، و إلا فمن أنكر أصل الكلام النفسي كيف يسمع منه القول في الوحدة و لكن العجب من هذا الملزم أنه التزم ما هو أمحل المحال في وحدة الحال التي هي مصححة الأحوال فإنه قال عالمية الباري سبحانه و قادريته حال و له حال توجب كونه عالما قادرا فقد أثبت حالا لها خصوصية العلم و القدرة و هي واحدة في نفسها وراء الذات، فكيف يستبعد ممن يثبت كلاما هو أمر و نهي و خبر و هو في نفسه واحد مختلف الاعتبار و الفلاسفة الذين هم أشد إنكارا للكلام الأزلي و وحدته أثبتوا عقلا واحدا في ذاته و وجوده و تفيض منه صور لا تتناهى مختلفة ربما تختلف أساميه باختلاف الصور و الفيض عندهم كالتعلق عند المتكلم و العقل الأول كالكلام في وحدته و اختلاف الكلام بالأمر و النهي كاختلاف الفيض بالصور.
و أوضح من ذلك مذهبهم في المبدأ الأول لا يتكثر بتكثر الموجودات اللازمة و الصفات و الأسماء إما إضافة و إما سلب و إما مركبة من إضافة و سلب فهلا قالوا في الكلام كذلك، و هلا أثبتوا كلاما أزليا على منهاج إثباتهم له عناية أزلية حتى يكون هو المبدأ و إليه المنتهى تقديرا في أفعاله الخاصة، و يكون أمره المبدأ و إليه الرجعى تكليفا على