نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٤
القاعدة الثالثة عشرة في أن كلام الباري واحد [١]
ذهبت الأشعرية إلى أن كلام الباري تعالى واحد و هو مع وحدته أمر و نهي و خبر و استخبار و وعد و وعيد، و ذهبت الكرامية إلى أن الكلام بمعنى القدرة على القول معنى واحد و بمعنى القول معان كثيرة قائمة بذات الباري تعالى و هي أقوال مسموعة، و كلمات محفوظة تحدث في ذاته عند قوله و تكلمه و لا يجوز عليها الفناء و لا العدم عندهم، و ذهبت المعتزلة إلى أن الكلام حروف منظومة و أصوات مقطعة شاهدا و غائبا لا حقيقة للكلام سوى ذلك، و هي مخلوقة قائمة بمحل حادث إذا أوجدها الباري تعالى سمعت من المحل و كما وجدت فنيت، و شرط أبو عليّ الجبائي البنية المخصوصة التي يتأتى منها مخارج الحروف شاهدا و غائبا، و لم يشترط ذلك ابنه أبو هاشم في الغائب.
قالت الأشعرية: إذا قام الدليل على أن الكلام معنى قائم بذات الباري تعالى، و كل معنى أو صفة له فهي واحدة، و كل ما دلّ على أن علمه و قدرته و إرادته واحدة، فذلك يدل على أن كلامه واحد، و ذلك أنه لو كان كثيرا لم يخل إما أن يكون أعدادا لا تتناهى و إما أن يكون أعدادا متناهية فإن كان أعدادا لا تتناهى فهو محال لأن ما حصره الوجود من العدد فهو متناه و إن اقتصر على عدد دون عدد فاختصاصه بالبعض دون البعض يستدعي مخصصا و القديم لا اختصاص له و الصفة الأزلية إذا كانت متعلقة وجب عموم تعلقها بجميع المتعلقات لأن نسبتها إلى الكل و إلى كل واحد نسبة واحدة فلئن تعلقت بواحدة تعلقت بالكل، و إن تخلفت عن واحدة تخلفت عن الكل و خصومنا لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، و أن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان و نكتبها في المصاحف لوافقونا على اتحاد المعنى لكن لما كان الكلام لفظا مشتركا في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد فإن ما يثبته الخصم كلاما فالأشعرية تثبته و توافقه على أنه كثير و أنه محدث مخلوق و ما يثبته الأشعري كلاما
[١] انظر: العقيدة الأصفهانية (ص ٩٦)، و تبيين كذب المفتري (ص ٣٠٢)، و غاية المرام للآمدي (ص ٨٨، ٨٩).