نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٢
الكلمات هو صاحب البرسام دون غيره فقد بطل قولهم إن المتكلم ليس من قام به الكلام بل من فعل الكلام دون غيره.
ثم إنا نلزمهم عليه عجائب أخر نشرحها هاهنا فإنه قد وقع الاتفاق على أن المعجزات من فعل اللّه تعالى غير مكتسبة لجنس الحيوان و البشر ثم من المعجزات ما هو نطق و قول يخلقه اللّه في جماد أو حيوان مثل تكليم الشاة المسمومة «لا تأكل مني فإني مسمومة» و مثل تسبيح الحصى في يد الرسول عليه السلام و شهادته برسالته و مثل مكالمته الضب و مثل منطق الطير و تأويب الجبال يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ [سبأ: ١٠] إلى غير ذلك مما قد استفاضت الأخبار الصحيحة بها فكل ذلك فعل اللّه تعالى فالمتكلم عندهم من فعل الكلام فيجب أن يكون الباري تعالى متكلما بها إذ كان فاعلا لها و هو محال ثم إن النجارية وافقت الأشعرية على أن الباري خالق أعمال العباد فيلزمهم أن يقولوا هو قائل بقولهم متكلم بكلامهم إذا كان فاعلا لها.
و مما نلزمهم أن القادر على الحقيقة من يكون قادرا على الضدين و الكلام معنى له أضداد فإذا قالوا المتكلم من فعل الكلام يلزمهم أن يقولوا الساكت من فعل السكوت حتى لو خلق سكوتا في محل كان ساكتا و لو خلق أمرا في محل كان آمرا و لو خلق خبرا في محل كان مخبرا ثم من الأوامر ما يكون خيرا و منه ما يكون شرا و من الأخبار ما يكون صدقا و منه ما يكون كذبا فيلزمهم إضافة الكل إلى اللّه تعالى و هو محال و أما ما أوردوه على قدم الكلام و اتحاده فنفرد لهذين الإشكالين مسألتين و نتكلم عليهما بما فيه مقنع إن شاء اللّه تعالى لكنا نعارضهم هاهنا بما التزموه مذهبا.
فنقول: من المعلوم الذي لا مرية فيه أن النطق اللساني مركب من حروف و الحروف مقطعات من أصوات و ما من حرف يتفوه به الإنسان و ينطق به اللسان إلا و يفنى عقيب ما وجد و ينعدم كما يتجدد و يعقبه حرف آخر إلى أن يصير مجموع الحرفين و الثلاث و أكثر كلمة و يصير مجموع الكلمتين و الثلاث و أكثر كلاما مفهوما مشتملا على معنى من المعاني معلوم لو لا ذلك المعنى لم يسم الحروف و الكلمات كلاما فإذا كل الحروف و الكلمات محالها اللسان و كل المعاني و المفهومات محالها الجنان و بمجموع الأمرين سمي الإنسان ناطقا و متكلما حتى لو وجدت الحروف اللسانية منه دون المعاني الجنانية سمي مجنونا لا متكلما إلا بالمجاز و لو وجدت المعاني الجنانية منه دون الألفاظ اللسانية سمي مفكرا لا متكلما إلا بالمجاز و إن كان بين الموضعين فرق و هو كالفرق بين المؤمن بلسانه دون قلبه و بين المؤمن بقلبه دون لسانه غير أنا