نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٧
وجه مباينته الإرادة أن الإرادة صالحة للتخصيص ببعض الجائزات فقط و إنما تتعلق بالمتجدد من جملة الممكن و يستوي في تعلقه كل متجدد متخصص و الاقتضاء و الطلب يختلف من جهة تجدده و قد بينا أن من الأشياء ما يراد و لا يؤمر به، و منها ما يؤمر به و لا يراد بل الإرادة من حيث الحقيقة لا تتعلق إلا بفعل المريد و الأمر و الاقتضاء لا يتعلق من حيث الحقيقة إلا بفعل الغير فكيف تتحدان حقيقة و خاصية فثبت أن مدلول التكاليف من حيث الحدود و الأحكام قضية وراء العلم و القدرة و الإرادة و ذلك ما عبرنا عنه بالقول و الكلام و عبر التنزيل عنه بالأمر و الخطاب و من وجه آخر نقول الحركات الاختيارية التي اختصت بتصرفات الإنسان ثلاث: حركة فكرية و هي من تصرفات عقله و فكره و حركة قولية و هي من تصرفات نفسه و لسانه و حركة فعلية و هي من تصرفات بدنه و القوى البدنية و ما من حركة من هذه الحركات إلا و للّه فيها حكم بالأمر و النهي فإن الفكرية تشتمل على حجة و شبهة و صواب و خطأ و حق و باطل و القولية تشتمل على صدق و كذب و إقرار و إنكار و حكمة و سفه و الفعلية تشتمل على خير و شر و طاعة و معصية و صلاح و فساد و قد قام الدليل على أن الباري تعالى حكم عدل و له حكم و قضية في كل حركة من هذه الحركات و ذلك الحكم إما أن يكون فعلا من الأفعال و إما أن يكون قولا من الأقوال و استحال أن يكون فعلا يفعله فإن كل فعل فهو مسبوق بحكمه بل ذلك الفعل دليل على حكمه و حكمه مدلول فعله و كما أن الحركات الضرورية دلت باختصاصها ببعض الجائزات دون البعض على علمه و إرادته و قدرته كذلك الحركات الاختيارية دلت باختصاصها ببعض الأحكام دون البعض على حكمه و أمره و قضيته و قولكم إن التصريف بالفعل نازل منزلة التكليف بالقول مسلم فيما يرجع إلى أفعال غير اختيارية للإنسان لكن الأفعال الاختيارية لما استدعت ممن له الخلق و الأمر حكما و اقتضاء و طلبا فكل فعل و تصريف من الخالق يدل على حكمه و اقتضائه و ذلك بعينه هو غرضنا و مرادنا.
فنقول ذلك الفعل من وجه إحكامه دل على علم الفاعل و من وجه وقوعه دل على قدرته و من وجه اختصاصه دل على إرادته و من وجه تردده بين الجواز و الحظر و الإباحة دل على أن للباري تعالى فيها حكما و قضية ثم ذلك الحكم قد يكون أمرا و قد يكون نهيا و قد يكون إباحة فقد سلمتم المسألة من حيث منعتموها.
فنقول إثبات الكلام و الأمر و النهي يبنى على جواز انبعاث الرسل فإن من أحال كونه متكلما يلزمه أن ينكر كونه مرسلا رسولا و من جوز على اللّه تعالى أن يبعث رسولا فذلك الرسول يبلغ رسالات اللّه لا محالة و رسالاته أوامره و نواهيه و حملها على