نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٦
يعلم من المعلمين فيكون ذلك تقديرات حروف في الخيال و تصويرات كلمات في الوهم و يستحيل أن يكون كلامه تعالى من جنس المأخوذات و الثاني ما هو مركوز في طبيعة النفس من التمييز و التفكير بحيث يعبر عنه باللسان فيكون هو مأخوذ اللسان و ذلك أيضا مستحيل لأن ذلك يقتضي ترديد الخواطر و تقليب الأفكار و الابتداء من مبدأ و الانتهاء إلى منتهى و ذلك كله محال فثبت أنه لا يجوز أن يكون من جنس كلام البشر و ما كان خارجا عن كلام البشر لا يجوز أن يثبت بالاستدلال على كلام البشر لأن غير الجنس لا يدل على الجنس فيخرج على هذا قولكم إن كل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه فإن هذا و إن سلم في الشاهد فكيف يستمر لكم طرده في الغائب مع تسليمكم أن الخبرين لا يتماثلان إلا في اسم الخبرية و كذلك قولكم إن كل ملك مطاع يجب أن يكون صاحب أمر بالتكليف فإنه مسلم في الشاهد على ما ذكرنا غير مطرد في الغائب على المنهج الذي هو معتاد في الشاهد و هذا الإلزام ليس يختص بمسألة الكلام بل متوجه على من يجمع بين الشاهد و الغائب في معنى لا يشتركان فيه جنسا و مماثلة و يكون حكمه حكم من يجمع بين قرص الشمس و منبع الماء لا في معنى يشتركان فيه جنسا و مماثلة بل بمجرد اسم العين المطلق عليهما بالاشتراك.
قال المتكلمون: الطريقة المختارة عندنا في إثبات الصفات الاستدلال بالدلائل التي نجدها في الشاهد، فإنا بالأحكام استدللنا على العلم، و بوقوع الأفعال على القدرة، و بالاختصاص ببعض الجائزات على الإرادة، كذلك نستدل بالتكاليف على العباد ذوي العقول و الاستطاعة على أن الباري تعالى آمر ناه و له الأمر و النهي و الوعد على إتيان المأمور به، و الوعيد على فعل المنهي عنه، و هذا لا يتصور من جنس الفعل، و إنما يتحقق من جنس القول، فيستدل بالوجوه التي في الصنائع و الأفعال على أنه تعالى خالق و بالوجوه التي في الشرائع و الأحكام على أنه تعالى آمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤]، و وجه الاستدلال من الشرائع و الأحكام أن التكليف اقتضاء و طلب المأمور به و الاقتضاء قضية معقولة وراء العلم و القدرة و الإرادة، أما وجه المباينة بينها و بين العلم أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به و ليس في تعلقه اقتضاء المعلوم بل هو تبيين و انكشاف و من خاصيته أن يتعلق بالواجب و الجائز و المستحيل و الاقتضاء و الأمر لا يتعلق بالواجب و المستحيل و أما وجه مباينته للقدرة أن القدرة صالحة للإيجاد فقط، و إنما تتعلق بالممكن و يستوي في تعلقه كل ممكن في ذاته و الاقتضاء و الأمر و النهي لا يتعلق بكل ممكن ليحصل وجوده، و أما