نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٣
القاعدة الثانية عشرة في كون الباري متكلما بكلام أزلي [١]
و لما لم نجد في الملة الإسلامية من يخالفنا في كون الباري تعالى متكلما بكلام قدمنا هذه المسألة و إن جرت العادة بتقديم المسألة الأخيرة و لم يخالفنا في ذلك إلا الفلاسفة و الصابئة و منكرو النبوات و طرق متكلمي الإسلام تختلف.
فطريق الأشعرية: أن قالوا دل العقل على كون الباري تعالى حيا و الحي يصح منه أن يتكلم و يأمر و ينهى كما يصح منه أن يعلم و يقدر و يريد و يسمع و يبصر، فلو لم يتصف بالكلام أدى إلى أن يكون متصفا بضده و هو الخرس و العي و الحصر و هي نقائض و يتعالى عنها.
و الذي يتحقق هذه الطريقة قولهم: قد ثبت بدليل العقل أنه ملك مطاع، و من حكم الملك أن يكون منه أمر و نهي، كما دل تردد الخلق في صنوف التغايير و الحوادث و الجائزات على كون الباري تعالى قادرا عالما دل تردد الخلق في صنوف الأمر و النهي على أمر الباري و نهيه و كما جرى في ملكه تقديره جرى على عباده تكليفه و كما تصرف في الموجودات الجبرية جبرا و قهرا تصرف في الموجودات الاختيارية تكليفا و تعريفا.
و قد سلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني رحمه اللّه منهاجا آخر فقال: دلت الأفعال بإتقانها و إحكامها على أنه تعالى عالم و يستحيل أن يعلم شيئا و لا يخبر عنه، فإن الخبر و العلم يتلازمان، فلا يتصور وجود أحدهما دون الثاني و من لا خبر عنده عن معلومه لا يمكنه أن يخبر غيره عنه، و من المعلوم أن الباري يصح منه التكليف و التعريف و الإخبار و التنبيه و الإرشاد و التعليم، فوجب أن يكون له كلام و قول يكلف و يعرف و يخبر و ينبه بذلك فإذا ثبتت هذه الدلائل كونه متكلما.
فنقول: إما أن يقال هو متكلم لنفسه أو متكلم بكلام ثم إن كان متكلما بكلام فإما أن يكون كلامه قديما أو حادثا، و إن كان حادثا فإما أن يحدث في ذاته أو في محل
[١] انظر: شرح قصيدة ابن قيم لابن عيسى (١/ ٢٩٥، ٢٩٨)، و شفاء العليل لابن قيم [١٥٣] ، و غاية المرام للآمدي (ص ٨٨، ١٠٤)، و مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ٦٠١، ٦٠٣)، و الملل و النحل للمصنف (١/ ٨٠)، و التمهيد للباقلاني (ص ٢٩٩).