نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٢
[الأعراف: ١٠٢]، وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [السبأ: ١٣]، فكيف يستمر لكم معاشر الفلاسفة إن الشر في العالم بمطلقه لا يوجد و بأكثره لا يتحقق و قد صادفتم الوجود على خلاف ما قررتم، فاعتبروا النفوس الإنسانية و الغالب على أحوالها من العلم و الجهل و على أخلاقها من الحسن و القبيح و على أقوالها من الصدق و الكذب و على أفعالها من الشر و الخير تعلمون أن الشر في العالم الجسماني أغلب و أكثر خصوصا في النفوس الإنسانية و بالجملة فحيث ما وجدنا الفطرة و التقدير الإلهي غالبا على الاختيار و الاكتساب البشري كان الغالب هو الخير و الصلاح، و حيث ما وجدنا الاختيار و الاكتساب غالبين كان الغالب هو الشر و الفساد، فعاد الأمر إلى أن لا شر في الأفعال الإلهية، فإن وجد فيها شر فبالإضافة إلى شيء دون شيء و إنما يدخل الشر في الأفعال الإنسانية الاختيارية و هي أيضا من حيث إنها تستند إلى إرادة الباري سبحانه خير و من حيث إنها تستند إلى اكتساب العبد تكتسب اسم الشر، غير أن الشرائع قد وردت بإثبات الشياطين و إثبات رأسهم إبليس اللعين و ليس يمكن إنكار ذلك بعد ثبوت الصدق في أقوالهم و أخبارهم بالبينات الواضحة و المعجزات الباهرة و قد اعترف بوجودها قدماء الحكماء قالوا ما من شيء جزئ في العالم إلا و يتحقق له في عالم آخر أمر كلي فبالحرارة الجزئية استدل على نار كلية و بالعقل الجزئي يستدل على عقل كلي و كذلك ساير الأمور فالبشر الجزئي في العالم يستدل على شر كلي و كذلك أثبت المجوس و أصحاب الاثنين للعالم أصلين هما منبع الخير و الشر و النفع و الضر و هم النور و الظلمة كما سبق ذكر مذاهبهم، و قد استوفيناها في كتابنا الموسوم بالملل و النحل و بالجملة الفلاسفة منازعون في ثلاثة أحوال: أولها نفي محض موجود و هو أصل الشر بالذات لا بالعرض و الثاني كون الخير في النوع الإنساني أكثر و أغلب، و الثالث: إثبات موجودات لا مستند لها على طريق الإيجاد بالذات و بالقصد الأول و ما لم تثبت هذه الأصول لم يتم لهم ما ذكروه و اللّه أعلم و أحكم.
القول في الكلام حصرناه في ثلاث قواعد إحداها: إثبات كون الباري تعالى متكلما بكلام أزلي، و الثانية: في أن كلامه واحد، و الثالثة: في حقيقة الكلام شاهدا و في أحكامه.