نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٤٣
حيث هو حادث متجدد متخصص بالوجود دون العدم و وقت دون وقت و الإرادتان تشتركان في التجدد فتنتسبان إليها من جهة التجدد و التخصص و هما من هذا الوجه ليسا ضدين فلم تتعلق الإرادة بالضدين و لو قيل تتعلق الإرادة بالإرادتين جميعا من حيث الوقوع و التجدد و بأحد المرادين و هو الواقع منهما في المعلوم و تتعلق بعدم وقوع الآخر فهي إرادة لوقوع أحدهما و كراهة لوقوع الآخر كان ذلك أيضا صوابا قال اللّه تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:
١٨٥]، أي يريد خلاف العسر كما قال: أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ [يونس: ١٨]، أي بما يعلم خلافه حتى لا يكون النفي داخلا في الإطلاقات [١].
قالت المعتزلة: قد تقرر في العقول أن مريد الخير خير و مريد الشر شرير و مريد العدل عادل و مريد الظلم ظالم فلو كانت الإرادة الأزلية تتعلق بالكائنات كلها لكان الخير و الشر مرادا فيكون المريد موصوفا بالخيرية و الشرية و العدل و الظلم و ذلك قبيح في حق القديم سبحانه قال اللّه تعالى: وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [غافر: ٣١].
قالت الأشعرية: هذه المقدمة التي ذكرتموها من المشهورات في عادات الناس لا من الأوليات في قضايا العقول، و إنما يختص اطرادها في بعض الصور دون البعض إذ لا يقال في سياق ذلك أن مريد الجهل جاهل و مريد العلم عالم و مريد الطاعة مطيع و لا يقال مريد الحركة متحرك و مريد الصلاة مصل ثم يقال في الشاهد مريد العبادة عابد و لا يقال في الغائب مريد العبادة عابد.
ثم السر في ذلك أن الإرادة الحادثة قد تكون ضرورية و قد تكون كسبية و الضرورية منها لا توصف بالخيرية و الشرية و التكليفية إذ لا تكليف إلا على المكتسب و قد توصف بالخيرية و الشرية الجبرية كما يقال الملك يريد الخير طبعا و جبرا و الشيطان يريد الشر طبعا و جبرا و أما الإرادات الكسبية فتتوجه على المريد فيها و بها التكليف فيوصف بالظلم و العدل و الخير و الشر و الطاعة و المعصية كما وصف سائر الحركات ثم لم يلزم من ذلك طردها في الغائب فلم يصح الاستدلال.
و السر في ذلك أن الإرادة الأزلية لم تتعلق بالمراد من أفعال العباد من حيث هو مكلف به إما طاعة و إما معصية و إما خيرا و إما شرا بل لا يتعلق به من حيث هو فعل العبد و كسبه على الوجه الذي ينسب إليه فإن إرادة فعل الغير من حيث هو فعله تمن
[١] انظر: حجج القرآن للرازي (ص ٨٢).