نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٣٦
القاعدة الحادية عشرة في الإرادة
و هي تتشعب إلى ثلاث مسائل أحدها: في كون الباري تعالى مريدا على الحقيقة، الثانية: في أن إرادته قديمة لا حادثة، و الثالثة: أن الإرادة الأزلية متعلقة بجميع الكائنات [١].
أما الأولى: فالكلام فيها مع النظّام و الكعبي و الجاحظ و النجار، فذهب النظام و الكعبي إلى أن الباري تعالى غير موصوف بها على الحقيقة و إن ورد الشرع بذلك فالمراد بكونه تعالى مريدا لأفعاله فإنه خالقها و منشئها، و إن وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمراد بذلك أنه أمر بها و إن وصف بكونه مريدا في الأزل، فالمراد بذلك أنه عالم فقط.
و ذهب النجار إلى أن معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب و لا مستكره.
و ذهب الجاحظ: إلى إنكار أصل الإرادة شاهدا و غائبا، و قال: مهما انتفى السهو عن الفاعل و كان عالما بما يفعله فهو مريد و إذا مالت نفسه إلى فعل الغير سمي ذلك الميلان إرادة، و إلا فليس هي جنسا من الأعراض و هو الأولى بالابتداء و هو الأهم بالرد عليه.
فيقال له: إثبات المعاني و الأعراض، ثم التمييز بين حقيقة كل واحد منها إنما يبتنى على إحساس الإنسان نفسه، و كما يحس الإنسان من نفسه علمه بالشيء و قدرته عليه يحس من نفسه قصده إليه و عزمه عليه ثم قد يفعله على موجب إرادته و قد لا يفعله على موجب إرادته و ربما يريد فعل الغير من غير ميل النفس و التوقان إليه و كذلك يريد فعل نفسه من غير ميل و شهوة كمن يريد شرب الدواء على كراهية من نفسه، و بالجملة الإحساس حاصل و رده إلى العلم بالفعل باطل فإن العلم تبين و إحاطة فقط و هو يطابق المعلوم على ما به من غير تأثير في المعلوم و لا تأثير منه و كذلك يتعلق بالقديم و الحادث و القصد و الإرادة يقتضي و يخصص فيؤثر و يتأثر و لذلك لا
[١] انظر: شرح قصيدة ابن قيم لإبراهيم بن عيسى (١/ ٧٣)، و منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٢٩٧، ٣٨٠).