نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٣٠
يتعلق نفس ذلك العلم بمعلوماته على النسق الذي حصل أم يتعلق علمه بذاته و يتعلق علم آخر بمعلوماته و يلزم على الأول أن يقال لا يعلم إلا ذاته إذ لا صورة عنده غير ذاته و لا ارتسام لعقله إلا تعقله فإن العقل عندكم مقارنة ماهية لماهية و المقارنة هو ارتسام ماهية بماهية فعلى هذا التفسير لم يقترن بوجوده غير وجوده و لا ارتسم في عقليته غير عقليته و سائر اللوازم كما هي مفارقة لذاته يجب أن يكون معقوليتها مفارقة لمعقولية ذاته و يلزم على القسم الثاني التكثر الصريح فإن عقله لذاته و عقله للعقل الأول إن كانا شيئا واحدا من وجه واحد فيلزم أن تكون ذاته هو العقل الأول و العقل الأول ذاته و إن لم يكن ذلك على وجه واحد فقد تعدد و تكثر وجوه الذات.
ثم نقول إذا كان عقله و علمه علما فعليا لا انفعاليا و إنما يلزم منه ما يلزم لعلمه بذاته فيجب أن يكون كل معلوم مفعولا له و هو معلوم لعلمه فانظروا أي شيء يلزم من ذلك.
قال ابن سينا إنه تعالى عالم بالأشياء لا من الأشياء بل الأشياء منه و من علمه.
قيل له: فإذا بطل تقريرك الثاني أن العقل لا معنى له إلا ارتسام ماهية بماهية فهلا قلت العقل رسم ماهية في ماهية أو هلا قسمت الأمر فقلت من العقول ما يرتسم و من العقول ما يرسم و منها ما لا يرسم و لا يرتسم فعقله للعقل الأول رسم و ليس بارتسام و عقله لذاته ليس برسم و لا ارتسام و عقل العقل و النفس له ارتسام و ليس برسم فعقولنا مثلا تصورات و عقول المقارنات تصويرات و تصورات و عقل الباري تعالى لذاته ليس بتصور و لا تصوير و عقله للعقل الأول تصوير لا تصور.
قال ابن سينا: الرب تعالى عالم بالموجودات و لكن علمه بها علم لزومي عن علمه بذاته غير مفصل للصور فإنه يعلم ذاته و إنما يعلم ذاته كما هو عليه و هو أنه مبدأ للموجودات كلها بأسرها فيدخل علمه بالموجودات تحت علمه بذاته من غير أن تترتب للموجودات صورة في ذاته حتى يلزم منه كثرة فإن العلم بلوازم الشيء إذا لم يكن متجها نحو تلك اللوازم قصدا بل حاصلا من العلم بلزومها فلا يكون زائدا على نفس العلم بالملزوم و لا فيه كثرة مترتبة فترتبه حسب ترتيب تلك اللوازم و نحن نجد من أنفسنا مثل هذا العلم بالأشياء الكثيرة من غير أن يتمايز لها صورة في ذاتها و هو إنا إذا سألنا عن مسألة نكون قد علمناها و أتقناها لكنا في تلك الحالة معرضون عنها فمع السؤال عنها نجد من أنفسنا التفاتا إلى جوابها و يقينا لنا بحصول ذلك العلم المشتمل على جميع الجواب من غير أن يكون في ذلك العلم تفصيل لصور الأشياء التي تنتقش في نفوسنا حين أخذنا في الجواب ثم يأتي التفصيل مع الأخذ في الجواب مرتبا و ليس