نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٨
كلية و إن تخصصت فبالإضافة إلى زمان و مكان و حال متشخصة فيعقل ذاته و نظام الخير و الموجود في الكل منه و نفس مدركة الكل سبب لوجود الكل منه و مبدأ له و إبداع و إيجاب و إيجاد، فلا يتبع علمه معلوما بل يسبقه و لا يكتسب عنه صفة بل يكسبه و لا يتغير بتغير المعلوم بل يغيره و لا يتعلق بأمر معين من حيث هو معين شخصي حتى لو زال الشخص زال العلم بوجوده و هذا كمن عرف أن القمر إذا اجتمع مع الذنب في برج كذا و كانت الشمس في برج مقابل وقع ثم الكسوف فعلمه هذا قبل وجود الكسوف و بعده و في حال الكسوف على وجه ليس يتغير بحدوث الكسوف و كذا كل علم كلي ثم الجزئي مندرج تحت الكلي على سبيل التضمن فيصير الكل معلوما له على هذا الطريق فمن قال منهم: إنه لا يعقل إلا ذاته أراد به أنه يعقل كونه مبدأ و عقله ذلك هو الموجب لحصول ما يصدر عنه و من قال منهم إنه يعقل الكليات دون الجزئيات أراد ما قررناه و من قال منهم: إنه يعقل الكليات و الجزئيات أراد ما عقله مقصودا أي مبدأ و ما يصدر عنه إلا أن ذلك على وجه فهذا كلام القوم و نحن نتكلم على ذلك بالاعتراض و بتصفح على كل مسألة منها بالاستعراض.
فنقول أولا: إطلاق لفظ العقل و العاقل غير مصطلح عليه عندنا فنغير لفظ العقل إلى العلم و نطلق لفظ العالم بدل العاقل إذ ورد السمع بكون الباري تعالى عالما و لم يرد بكونه عاقلا فنطالبكم بالدليل على كون الباري تعالى عالما فيما عرفتم ذلك و الدليل ما أرشدكم إليه و البرهان لم يقم عليه، فإن المتكلم يستدل بحصول الإحكام و الإتقان في الأفعال على كون الصانع عالما و أنتم ما سلكتم هذه الطريقة و لا استقام ذلك على قاعدتكم فإن العلم عندكم لم يتعلق بالجزئيات أو تعلق على وجه كلي فهو إذا متعلق بالكليات و الأحكام إنما يثبت في الجزئيات المحسوسة أما الكليات المعقولة فهي مقدرة في الذهن فما فيه الإحكام ليس بمعلوم على الوجه الذي يقتضيه الإحكام و ما هو معلوم فلم يشاهد إحكام فيه فبطل الاستدلال من هذا الطريق.
قالوا: طريقنا في ذلك إنما هو يرى من المادة و علائقها فغير محتجب عن ذاته لأن الحجاب هو المادة و المقدس عن المادة هو عالم لنفسه بنفسه إذ لا حجاب.
قيل هذه مصادرة على المطلوب الأول فإن معنى قولكم غير محتجب عن ذاته أي هو عالم بذاته و الكلام فيه كالكلام في الأول و تقريره إنما هو يرى من المادة فهو عالم فلم قلتم إنما هو يرى عن المادة عالم و نفي المادة كيف يناسب العالمية و العلم هذا كمن نفى التناهي و الانقسام و الأين و الكيف عنه لم يجب من ذلك أن يكون عالما فنفي الجسمية و الهيولائية عنه ليس يقتضي أن يكون عالما و لم نجد لعامتكم برهانا