نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢١
غير النهاية لا يوجب تكثيرا في ذاته و إنما قلنا إن تعقله لذاته أمر سلبي لأن العقل هو المجرد عن المادة و تجريده عن المادة سلب المادة عنه فلزم أن يكون عالما لتجرده عن المادة و علائقها إذ المادة هي التي كانت حجابا عن التعقلات فلما ارتفع الحجاب صار العقل مدركا عند ارتفاع الحجاب المحسوس إدراك الحس المحسوس و عند ارتفاع الحجاب المعقول إدراك العقل المعقول و ليس يختص ذلك بتعقل الباري تعالى بل كل عقل و نفس إذا تجرد عن المادة عقل و أدرك بمقدار تجرده ثم ذات العقل الأول لا يحتجب عن ذاته أبدا فهو عاقل بنفسه أبدا و كل عقل و نفس مفارق للمادة فحكمه كذلك إلا أن من المواد ما يكون في ألطف ما يكون كالأجسام السماوية فكان حجابها لعقولها و نفوسها أقل تأثيرا إلى أن يصل في الدرجة العليا إلى ما لا يخالط مادة البتة فيكون أكمل الأشياء تعقلا و إدراكا و من المواد ما يكون في أكثف ما يكون كالأجسام الأرضية فكان حجابها لإدراكاتها أكثر تأثيرا إلى أن ينزل في الدرجة السفلى إلى ما لا يفارق مادة البتة فيكون أكثر الأشياء خمودا و جمودا و العقل الأول و إن فارق المادة من كل وجه إلا أن ذاته باعتبار ذاته ممكن الوجود فلم يخرج عن الإمكان و طبيعة الإمكان عدمية مادية لم يصل تعقله إلى درجة العلة الأولى إذ هو أجل الأشياء إدراكا لا أجل الأشياء كمالا إذ هو يرى عن طبيعة الإمكان و العدم.
قالت الصفاتية: الباري تعالى يعلم ذاته و يعلم ما يلزم منه بعلمين أم بعلم واحد فإن قلتم المعلومان يستدعيان علمين فقد ناقضتم مذهبكم و زريتم علينا و إن قلتم بعلم واحد فيعلم الذات من حيث يعلم اللازم و يعلم اللازم من حيث يعلم الذات فيجب أن تكون الذات لازما و اللازم ذاتا لأنه إنما يلزم منه ما يلزم لعلمه بذاته و هو من حيث ذاته يعلم اللازم فيوجد منه الذات كما يوجد منه اللازم أو كان لا يوجد منه اللازم كما لا يوجد منه الذات و إن كان يعلم الذات لا من حيث يعلم اللازم فقد تعدد الاعتبارات فتكثر الذات بتكثر الوجوه و الاعتبارات على ما سنفرد مسألة في العلم الأزلي خاصة و تحقيق تعلقه بالمعلومات لكن الذي يختص بمسألتنا هذه إلزام الوجوه و الاعتبارات في الصفات التي أثبتموها و قولكم تجرده عن المادة أمر سلبي أي هو مفارق ليس في مادة أصلا لا لشيء جرده عن المادة بل لذاته و بذاته و لا يوجب تكثرا في الذات.
قلنا: من المعلوم أن قولنا عالم يشعر بتبين المعلوم و قولنا ليس في مادة يشعر بنفي المادة عنه و المفهومان متغايران لفظا و معنى فكيف يقال أحدهما هو الثاني بعينه لعمري يصح أن يقال أحدهما سبب لوجود الثاني على معنى أن المادة إذا ارتفعت ارتفع الحجاب فأدرك الشيء و عقله، كالمرآة المصدية إذا صقلت و ارتفع الصدأ تمثلت