نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٠
بالنسبة أصلا و إن كان الوجوب معنى سلبيا في الذهن فقد استغنى بكونه نفيا عن إلزام التركيب الذهني و عندهم المعاني السلبية لا توجب التكثير سواء كانت في الذهن أو في الخارج و المعاني الإيجابية غير الإضافية لا تخلو من التكثر سواء كانت في الذهن أو في خارج و من المعلوم أنا إذا قلنا يعلم ذاته و يعلم غيره فليس علمه بذاته علما بغيره من الوجه الذي كان علما بذاته بل اعتبار علمه بذاته غير اعتبار علمه بغيره و اعتبار إضافة العقل الأول إليه عندكم غير اعتبار إضافة العقل الثاني إليه و إذا اختلفت الاعتبارات و الوجوه العقلية لزمكم التكثير في الذات فنحن نسمي كل اعتبار صفة، و ما سميتموه بالمعاني السلبية فعندنا القدم و الوحدة بمثابتهما، فإن معنى القديم أنه لا أول لوجوده و معنى الواحد أنه لا انقسام لذاته و ما سميتموه من المعاني بالمعاني الإضافية فعندنا كونه خالقا رزاقا بمثابتهما فإن معنى الخالقية يتصور من الخلق و الرازقية من الرزق و بقى عندنا أنا أثبتنا معاني من كونه عالما قادرا حيا [١] فإن رده إلى السلبية غير ممكن حتى يقال معنى كونه عالما أنه غير جاهل فإن غير الجاهل قد يتصور و لا يكون عالما فهو أعم، و حتى يقال إن معنى كونه قادرا أنه غير عاجز فإن غير العاجز قد يتصور و لا يكون قادرا، فنفي الأولية بالضرورة يقتضي القدم و نفي الانقسام لا يقتضي العلم و القدرة فقد يخلو الشيء عن الجهل و العلم كالجماد فإذا معنى العالمية و القادرية ليس معنى سلبيا، و ليس هو أيضا معنى إضافيا فإن الاسم الإضافي من المضاف يتلقى بمعنى أنه يحصل الفعل أولا حتى يسمى فاعلا و ليس كذلك كونه عالما قادرا فإن وجود المعلوم و المقدور من العلم و القدرة يحصل فهو على خلاف وضع الأسامي الإضافية خصوصا على أصلهم فإنهم قالوا علمه تعالى فعلي لا انفعالي و عند المتكلمين العلم يتبع المعلوم و عندهم المعلوم يتبع العلم و المقدور يتبع القدرة و عن هذا قالوا: إنما يصدر عنه العقل الأول لعلمه بذاته فإذا لم يكن العلم معنى سلبيا و لا معنى إضافيا و لا مركبا منهما فتعين أنه صفة للموصوف.
قالت الفلاسفة: المبدأ الأول يعقل ذاته و يعقل ما يلزم ذاته و عقله لذاته من حيث إنه مجرد عن المادة لذاته و هو علة المبدأ الثاني و هو المعلول الأول فلزم وجوده من حيث إنه يعقل ذاته و سائر الأشياء تكون معلولة على نسق الوجود منه و تجرده لذاته عن المادة أمر سلبي محض فلم تتكثر الذات بسلب شيء منه كما يقال الإنسان ليس بحجر و لا مدر و لا نجم و لا شجر و كذا إلى غير نهاية فهذا السلب و إن بلغ إلى
[١] انظر: الرد على القائلين بوحدة الوجود للقارئ (ص ١١٢).