نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٩
لمعنى الواجب أي هو ما يكون الوجود له أولى و أول حتى لو تركنا لفظ الواجب جانبا و قلنا الوجود ينقسم إلى ما يكون الوجود له أولى و أول و إلى ما يكون الوجود له لا أولى و لا أول كان التقسيم صحيحا مفيدا لفائدة الأولى، ثم الوجوب لا يفهم إلا و أن يفهم الوجود أولا حتى لو رفع الوجود في الوهم ارتفع الوجوب بارتفاعه، و هو معنى ذاتي فالوجود ذاتي للواجب بهذا المعنى و بمعنى أنه أولى به و أنه لذاته و بذاته و أنه لغيره على خلاف ذلك.
و من العجب أنهم قالوا: الوجوب معنى سلبي حتى لزمهم أن يقولوا الجواز الذي في مقابلته معنى إيجابي، و ليت شعري كيف يستجيز العاقل من عقله أن يرد معنى الوجوب إلى السلب و الجواز إلى الإيجاب أ ليس الوجود أولى بالواجب فكيف صار أولى بالجائز أ ليس الوجوب تأكيدا للوجود فكيف تأكد الوجوب بالسلب و هل هذا كله إلا تحير العقل و دوار في الرأس و تطرق الوسواس إلى صدور الناس.
ثم نقول: إن سلم لكم أن الوجود ليس بجنس فلم يخرج عن كونه عاما شاملا للقسمين إذ لو لا شموله و إلا لما صح التقسيم فإن التقسيم إنما يرد على المعنى لا على مجرد اللفظة، فالمعنى العام للواجب و الجائز غير المعنى الخاص بأحد القسمين فإذا لم يكن التركيب تركبا من جنس و فصل كان تركبا من عام و خاص فيفيد أحدهما من التصور ما لا يفيده الآخر، فيلزم منه عين ما يلزم من الفصل و الجنس.
قالت الفلاسفة التميز بينهما تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا في الوجود.
قيل لهم التميز بين العرضية و اللونية تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا في الوجود، و كذلك الإنسانية في كونها مركبة من حياة و نطق فما الفرق بين وجود عام، و وجوب خاص و بين عرض عام و لون خاص، و التركيب كالتركيب إلا أن أحد العامين و الخاصين من جنس و فصل على اصطلاح المنطق فيصلح أن يركب منهما حد الشيء و الثاني عام و خاص لا يصلح أن يركب منهما حد الشيء و الفرق من هذا الوجه ليس يقدح في غرضنا من الإلزام فإنا لم نلزم كون الباري تعالى محدودا بل ألزمنا كونه موصوفا و الموصوف بالصفة أعم من المحدود بالحد ثم القول بأن تركبه بالقياس إلى عقولنا و أذهاننا تسليم المسألة و زيادة أمر على الصفاتية و يلزم عليه أن يقال له مادة و جنس و فصل و خاصية و عرض إلى غير ذلك من أنواع التركيب بالقياس إلى عقولنا لا بالقياس إلى ذاته ثم هو معرفة المعلوم على خلاف ما هو به فإنه في ذاته غير مركب و في التصور العقلي مركب ثم الوجوب إن كان معنى إثباتيا في الذهن غير إثباتي في الخارج فذلك تغيير حقيقة الشيء الواحد بالنسبة إلى شيئين و الحقائق لا تختلف