نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٧
فنقول: معنى قولنا الصفات قامت به أنه سبحانه يوصف بها فقط من غير شرط آخر و الوصف من حيث هو وصف لا يستدعي الاحتياج و الاستغناء و لا التقدم و لا التأخر فإن الوصف بكونه قديما واجبا بذاته من حيث هو وصف لا يستدعي كون القدم و الوجوب محتاجا إلى الموصوف و لا كون الموصوف سابقا بالقدم و الوجوب بل الاحتياج إنما يتصور في الجواهر و الأعراض حيث لم تكن فكانت فاحتاجت إلى موجد لجوازها و تطلق على الأعراض خاصة حيث لم تعقل إلا في محال و احتاجت إلى محل و بالجملة الاحتياج إنما يتحقق فيما يتوقع حصوله فيترقب وجوده و لن يتصور الاحتياج في القدم.
و أما الجواب عن قول الفلاسفة إنه تعالى مستغن على الإطلاق قيل الاستغناء من حيث الذات إنه لا يحتاج إلى مكان و محل و الاستغناء من حيث الصفات أنه لا يحتاج إلى شريك في القدرة و الفعل و معين في العلم و الإرادة و وزير في التصرف و التدبير فهو تعالى مستغن على الإطلاق و إنما يستغني بكمال صفاته و صفات جلاله فكيف يقال إنه احتاج إلى ما به استغنى أ ليس القول بأنه استغنى بوجوبه في وجوده عن موجد و لا يقال إنه لما استغنى عند ذلك كان محتاجا إليه كذلك نقول: إنه استغنى بذاته و صفاته فلا الموصوف محتاج إلى الصفة و لا الصفة احتاجت إلى الموصوف و إنما يتحقق الاحتياج أن لو كانت الصفة على مثال الآلة و الأداة و الصفات الأزلية يستحيل أن تكون آلة فبطل الإلزام و زال الإيهام.
قالت الفلاسفة القسمة الصحيحة العقلية أن الموجود ينقسم إلى واجب بذاته و إلى ممكن بذاته و واجب بغيره فالواجب بذاته ليس يتصور إلا واحدا من كل وجه لا كثرة فيه بوجه من الوجوه لا كثرة أجزاء عددية و لا كثرة معان عقلية و إلا فيلزم أن يشترك في وجوب الوجود و ينفصل كل واحد عن صاحبه بفصل يخصه فحينئذ تتركب ذاته من جنس و فصل ثم تكون الأجزاء مقومات للجملة لا محال و المقوم أقدم من المقوم و ما يقوم بالشيء لا يكون واجبا بذاته بل بالمقوم و الواجب بذاته لن يتصور إلا واحدا و المعاني التي أثبتموها إما أن تكون واجبة بذاتها فيلزم أن يكون اثنان واجبا الوجود و ذلك محال كما قدمناه و إما أن لا تكون واجبة بذاتها بل يكون قوامها بالذات فيلزم ما ذكرناه آنفا.
قيل لهم قسمة الوجود إلى واجب بذاته و إلى واجب بغيره دليل قاطع على نقض إلزامكم فإن الوجود من حيث هو وجود قد عم الواجب و الجائز و الوجوب من حيث هو وجوب قد خص الواجب فاشتركا في الأعم و افترقا في الأخص و ما به عم غير ما