نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٥
متناقض للصفات إذ الحال لا يوصف بالوجود و لا بالعدم و الصفات موجودة ثابتة قائمة بالذات و يلزمهم مذهب النصارى في قولهم واحد بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية و لا يلزم ذلك التناقض مذهب الصفاتية [١].
و أما الاستدلال بالنفي و الإثبات فصحيح، و اعتراضكم فاسد فنقول قد قام الدليل على كون الصانع عالما قادرا فلا يخلو الحال إما أن يكون الاسمان عبارتين عن معبر واحد من غير تفاوت أصلا فيلزمكم أن تفهم العالمية بفهم القادرية و يلزمكم أن تنفي العالمية من نفي القادرية و يلزمكم أن يوجد العالم من حيث كونه عالما فحسب، و لا يحتاج إلى إثبات كونه قادرا فيلزم أن يدل على العالمية كما يدل على القادرية و من المعلوم الذي لا مرية فيه أنه ليس إطلاق لفظ العالم القادر كإطلاق لفظ الموجد الخالق، فإنا ندرك ببداية عقولنا فروقا ضرورية بين كونه عالما قادرا و بين كونه موجدا خالقا فلو كان الاسمان مترادفين ترادف هذين الاسمين لكنا لا ندرك بعقولنا هذه التفرقة، ثم ليس يجوز أن يقال أحد الوصفين وصف إثبات و الثاني وصف نفي فإنهما في محل تصور الفهم متساويان و ليس يجوز أن يقال أحدهما وصف إضافة و الثاني وصف حال و صفة إذ الإضافة من لوازمها لذاتها بل هما حقيقتان تعرض لهما الإضافة إلى المتعلقات و الإضافة معنى لا تعرض له الإضافة و إذا بطلت هذه الوجوه تعين أنهما صفتان قائمتان بالذات عبر الشرع عن إحداهما بالعلم و عن الثانية بالقدرة.
قالت المعتزلة: نحن لا ننكر الوجوه و الاعتبارات العقلية لذات واحدة و لا نثبت الصفات إلا من حيث تلك الوجوه أما إثبات صفات هي ذوات موجودات أزلية قديمة قائمة بذاته هو المنكر عندنا فإنها إذا كانت موجودات و ذوات وراء الذات، فإما أن تكون عين الذات و إما أن تكون غير الذات، فإن كانت عين الذات فهو مذهبنا و بطل قولكم هي وراء الذات و إن كانت غير الذات فهي حادثة أو قديمة و ليس من مذهبكم أنها حادثة و إن كانت قديمة فقد شاركت الذات في القدم و الوجوب بالذات و نفي الأولية فهي آلهة أخرى، فإن القدم أخص وصف القديم و الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم.
و من الإلزامات على قولكم إنها قائمة بذاته أن القائم بالشيء محتاج إلى ذلك الشيء حتى لولاه لما تحقق له وجود به فيلزمكم إثبات خصائص الأعراض في الصفات فإن العرض هو المحتاج إلى محل يقوم به و يلزمكم إثبات التقدم و التأخر الذاتي
[١] انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٢٨٣، ٤٨٦).