نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٣
من ضرورة العلم كونه ذاتا قائما بالنفس مستغنيا من كل وجه أن يعلم كونه عالما و لذلك كان الدليل على كونه قائما بالنفس غير الدليل على كونه عالما قادرا و لا من ضرورة نفي العالمية نفي الذات فإن جماعة من المعطلة نفوا كونه عالما و قادرا مع إقرارهم و علمهم بثبوت الذات و يستحيل رجوعهما إلى الحال فإنها لا تنفي على حيالها و لا تثبت و قد أبطلنا القول بالحال فلم يبق إلا القسم الأخير و هو الرجوع إلى الصفات.
قالت المعتزلة: أنتم أول من أثبت حقائق مختلفة و خواص متباينة لذات واحدة حيث قلتم الرب تعالى عالم بعلم واحد يتعلق بجميع المعلومات و من المعلوم أن العلم بالسواد مثلا ليس يماثل العلم بالبياض بل يخالفه لأن المثلين عندكم لا يجتمعان و قد يجتمع العلمان المختلفان فعلمه سبحانه في حكم علوم مختلفة و كذلك القدرة الأزلية تتعلق بمقدورات لا تتعلق القدرة الحادثة بها فهي في حكم قدر مختلفة و كذلك الإرادة و السمع و البصر و أظهر من ذلك كله الكلام فإنه صفة واحدة أزلية و هي في ذاتها أمر و نهي و خبر و استخبار و وعد و وعيد و معلوم أن هذه حقائق مختلفة قد ثبتت لكلام واحد فإن قلتم هذه الحقائق ترجع إلى الوجوه و الاعتبارات فنحن نقول كذلك في ذات الباري سبحانه و إن رددتم ذلك إلى الأحوال فمن مذهب أبي هاشم أنها أحوال و على كل وجه قدرتموه يلزمكم مثله في الذات و الصفات و قولكم إن المعاني إنما تتعرف بعددها من خواصها و متعلقها و آثارها و أدلتها صحيح في الشاهد غير مسلم في الغائب بل بإجماع منا في مسائل و انفراد منكم في مسائل خالفنا هذه القاعدة فإن القدم و الوجوب بالذات و الوحدة و القيام بالذات و البقاء و الديمومية و أنه أول و آخر و ظاهر و باطن منزه عن المكان مقدس عن الزمان حقائق مختلفة لو اعتبرناها شاهدا لكان لكل واحدة منها دليل خاص يدل عليه و مع ذلك لا يوجب تعددا في الصفات بالاتفاق و عندكم الأمر و النهي في الشاهد يتباينان و يتضادان و ما يدل على الأمر غير ما يدل على النهي و كذلك الخبر و الاستخبار يتمايزان من حيث الحقيقة و الدليل و المتعلق فإن متعلق الأمر غير متعلق الخبر و الخبر يتعلق بالقديم و الأمر لا يتعلق به و اختلافهما من حيث التعلق أوجب اختلافهما في الشاهد ثم لم نستدل باختلافهما في الشاهد على اختلافهما في الغائب بل كلامه أمر و نهي مع أن الأمر يتعلق بالمأمورات دون المنهيات و النهي يتعلق بالمنهيات دون المأمورات و الخبر يتعلق بكل ما يتعلق به العلم معدوما و موجودا و واجبا و جائزا و مستحيلا.
و أما استدلالكم بطريق النفي و الإثبات على أصل نفاة الأحوال غير مستقيم فإن عندهم النفي و الإثبات في كل شيء يرجعان إلى أمر مخصوص معين فلا يتصور إثبات ذات