نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٢
و ذلك مما يخبر عنه التنزيل بالعلم و القدرة [١].
قالت المعتزلة: تختلف وجوه الاعتبارات في شيء واحد و لا يوجب ذلك تعدد الصفة كما يقال: الجوهر متحيز و قائم بالنفس و قابل للعرض و يقال للعرض لون و سواد و قائم بالمحل فيوصف الجوهر و العرض بصفات هي صفات الأنفس التي لا يعقل الجوهر و العرض دونهما ثم هذه الأوصاف لا تشعر بتعدد في الذات و لا بتعدد صفات هي ذوات قائمة بالذات و لا بتعدد أحوال ثابتة في الذات كذلك نقول في كون الباري تعالى عالما قادرا.
قالت الصفاتية: ليس في وصف الجوهر و العرض بهذه الأوصاف أكثر من إثبات حقيقة واحدة لها خاصية تتميز بها عن غيرها و هذه العبارات دالة على تلك الخاصية، و هي الحجمية في الجوهر و السوادية في العرض مثلا، فأما تحيزه و قبوله للعرض فذلك تعرض لنسبة الجوهر إلى الحيز و نسبته إلى العرض إما تقديرا أو تحقيقا، و بمثل ذلك نقول في حق الباري سبحانه إنه موجود قديم قائم بنفسه غني أحد صمد غير متناهي الوجود و الذات، و كل هذه الأوصاف ترجع إلى حقيقة واحدة، و أما وصفه بكونه حيا عالما قادرا، إنما هو راجع إلى حقائق مختلفة و خواص متباينة تختص كل صفة بخاصية و حقيقة لا تتعداها و لكل واحدة فائدة خاصة تخصها و دليل خاص يدل عليها و متعلق خاص يختص بها و الحقائق إذا اختلفت من هذه الوجوه، فقد اختلفت في ذواتها و لا يسد أحدهما مسد الآخر، و العقل إنما يميز هذه المعاني بهذه الوجوه و إلا فأعراض متعددة إذا قامت بمحل واحد لم يحكم العقل باختلافها و تعددها إلا باختلاف خواصها و آثارها و فوائدها و دلائلها و متعلقاتها، و من المستحيل في العقل اجتماع خواص مختلفة في حقيقة واحدة فلو جاز إثبات ذات لها حكم العلم و القدرة و الإرادة و الحياة لجاز إثبات حقيقة واحدة لها حكم العرض و الجوهر و لجاز إثبات علم له حكم القدرة و لجاز إثبات لون له حكم الكون و يلزم على ذلك اجتماع المتضادات و ذلك من أمحل ما يتصور.
و مما يوضح ذلك و هو أقوى ما يتمسك به في إثبات الصفات قولنا اللّه عالم قادر و قول المعطل مثلا ليس بعالم و لا قادر إثبات و نفي لا محالة فلا يخلو الأمر فيه إما أن يرجع الإثبات و النفي إلى الذات و إما أن يرجع إلى الصفات و إما أن يرجع إلى الأحوال و مستحيل رجوعهما إلى الذات فإنها معقولة دون الاتصاف بالعالمية إذ ليس
[١] انظر: المواقف للإيجي (٣/ ٨٨، ٨٩)، و بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٣٨).