نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٠٧
لما كان جائزا احتاج إلى اختيار مختار يوجده و ثبوت حكم العلة في الشاهد لما كان جائزا احتاج إلى علة توجبه و هي العلم أ ليس وجود القديم لما كان واجبا لم يعلل وجود الحادث لما كان جائزا علل.
قال الصفاتية بم تنكرون على من يعلل الأحكام الجائزة بالعلل الجائزة و الأحكام الواجبة بالعلل الواجبة فلا الاحتياج و الافتقار غير موجب للتعليل و لا الاستقلال و لا الاستغناء مانع من التعليل لأنا لسنا نعني بالتعليل الإيجاد و الإبداع حتى يستدعيه الجواز و الاحتياج و يمنعه الوجوب و الاستغناء لكنا نعني بالتعليل الاقتضاء العقلي و التلازم الحقيقي بشرط أن يكون أحدهما ملتزما و الآخر ملتزما و الوجوب و الجواز لا أثر لهما في منع الاقتضاء و التلازم فلا يمتنع عقلا تعليل الواجب بالواجب و تعليل الجائز بالجائز و زادوا على ذلك تحقيقا.
فقالوا نحن لا نحكم على الأحكام من حيث إنها أحكام بأنها جائزة فإنها على مذهب مثبتي الأحوال صفات لا توصف بالوجود و العدم و لا ذات لها على الانفراد حتى يقال هي جائزة أو واجبة و على مذهب النفاة عبارات عن اختصاصات المعاني بالمحال بحيث يعبر عنها بالأسامي و هي على المذهبين لا يطلق عليها الجواز و الوجوب من حيث هي أحكام بل الوجوب إليها أقرب فإنها بالنسبة إلى عللها واجبة سواء قدرت قديمة أو حادثة فكون العالم عالما بعد قيام العلم بالمحل ليس بجائز بل واجب لأنه من حيث هو حكم العلم لا ذات له فلا يتطرق إليه الجواز و الإمكان و من حيث هو حكم العلم يتطرق إلى ذي العلم الجواز إذ يجوز أن يكون ذا علم و يجوز أن لا يكون و الجواز من هذا الوجه لا يعلل البتة بل ينسب إلى الفاعل حتى يخصص بأحد طرفي الجواز فهو إذا من حيث إنه جائز لا يعلل بعلة و لو وجب تعليل كل جائز بعلة و تلك العلة أيضا تعلل بعلة فيؤدي إلى ما لا نهاية له و لست أقول لا ينسب إلى فاعل و أن نسبة الجائز في أن يوجد إلى فاعل ليس كنسبة العالمية في أن توجب إلى علم فليفرق الفارق بين تعليل الأحكام بالعلل و بين تعلق المقدور بالقدرة فإن بينهما بونا عظيما و أمدا بعيدا فلا يجوز أن يقتبس حكم أحدهما من الآخر و لا أن يطرد حكم أحدهما في الثاني إلا أن يمنع مانع أصل التعليل، و يرفع العلة و المعلول و لا نقول بهما في الشاهد و الغائب و ذلك كلام آخر و من نفى الحال و كونها صفة ثابتة في الأعيان لم يصح إثبات العلة و المعلول على أصله تحقيقا فإنه لم يبق إلا عبارة أعيانا محضة أو وجه اعتبار عقلي فلا معنى لكون العالم عالما على أصله إلا أنه شيء ما له علم و ليس العلم يوجب حكما زائدا على نفسه فيقال أي شيء يعني بكونه فاعله أ هي مقتضية شيئا أم