الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٨٦
وقد ذكرنا في بعض فصول هذا الكتاب ما يؤيد هذا المعنى.. وقلنا: إن السياسة قد فرضت على أولئك الحكام إفساح المجال لأمير المؤمنين (عليه السلام) للتدخل في أمور الدين وحفظ نشر الأحكام، وممارسة مهماته في البيان والتصحيح والتوضيح، لأنهم يعلمون أن علياً (عليه السلام) لا يسكت على هذا الأمر، وهم لا يريدون التصادم معه، لأن عواقب ذلك ستكون كبيرة وخطيرة عليهم.
ولكنهم قد احتفظوا لأنفسهم بهامش من الحركة، يلبي لهم رغباتهم في إظهار سلطتهم، وتأكيد هيمنتهم، وإشباع طموحاتهم في التدخل، بل والتصرف ببعض الأحكام، بهدف إظهار مضاهاتهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في التشريع، وتأكيد قدرتهم على مشاركته (صلى الله عليه وآله) في الرفع والوضع..
ولكن إبقاء هذا الهامش قد أضرهم كثيراً أيضاً، ولم ينفعهم، لأنه (عليه السلام) كان لهم بالمرصاد، فإنه لم يسكت عن تلك المخالفات، ولا ترك الاعتراض على تلك التصرفات، وبين لهم ولغيرهم وضوح فساد ما جاؤوا به، وفضح جهلهم بدين الله، وأعلن على الملأ تعدياتهم على أحكامه وشرائعه..
وإذا كان محبوهم قد حفظوها لهم، وساروا فيها على نهجهم، فإن ذلك لم يجبر كسرهم، ولا خفف من حدة الانتقاد لهم، والتشنيع عليهم بما اقترفته أيديهم..
ثم إن مرونته (عليه السلام) في التعامل مع القوم قد أسهمت في حفظ