الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٠٩
أما العقوبة في الدنيا، فإنما هي أحكام شرعية، ويتوقعونها حين تصدر منهم أية مخالفة تستوجب العقوبة، وهي لا تنحصر في سنخ واحد من العقوبات، بل يكون لكل جرم عقوبة تناسبه، فلا حاجة إلى التوعد والتهديد بها فضلاً عن ذكر أصنافها المختلفة باختلاف موجباتها.
ز: ويلاحظ هنا: أنَّ العقوبة في الآخرة ـ وهي أن يأتي إلى المحشر ويداهُ مغلولتان إلى عنقه ـ تتناسبُ مع ما فرط به في دار الدنيا, فإنَّ الرعية تكونُ فاقدةً للاختيار لنفسها, ويكونُ راعيها هو الذي يختارُ لها. فقد يختار لها الصالح، وقد يختار لها غير الصالح.. وهو ـ بحسب زعمه ـ قادرٌ على أن يفعل بها ما يشاء. فإذا لم يعدل فيها فإنَّهُ يأتي يوم القيامة أيضاً فاقداً للاختيار، غير قادرٍ على أي تصرفٍ, ويكونُ غيره هو الذي يتحكم ويتصرف به.
ح: أما الإحسان, فإنَّهُ حتى لو تم مقتضي تأثيره بواسطة أمر الإمام والخليفة، في جعل الداعي لدى الوالي, فإنَّ مخالفته قد لا تقتضي العقوبة في الدنيا, لأنَّ المخالفة تكونُ على أنحاءٍ, ولدوافع مُختلفة, فلعل ذلك المأمور لا يرى لزوم طاعة أمثال هذه الأوامر, حتى لو صدرت من الحاكم الذي ولاه, لأنَّه يرى أنها مجرد تكاليف شخصية, وأخلاقية لا ربط لها في حفظ النظام. أي أنَّهُ يُعاني من قصورٍ في فهمه لمعنى الإمامة والإمام, ومدى الارتباط به والإنقياد له.
وقد يكونُ أيضاً ممن لا يعتقد بالإمامة بمعناها الاعتقادي والإيماني الذي فرضه الله تعالى عليه وعلى الناس، فيرى أنَّ علياً (عليه السلام) حاكمٌ