الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٤٢
فقدمت الحجة بالأعذار والانذار، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي، والترك لنقضهم عهد الله عز وجل فيَّ، وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم فرجع، وذكّرت فذكر.
ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلا جهلاً، وتمادياً وغياً.
فلما أبوا إلا هي، ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة، وبهم الهزيمة، ولهم الحسرة، وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بداً، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أولاً من الاغضاء والامساك، ورأيتني إن أمسكت كنت معيناً لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه، وطمعوا فيه من تناول الأطراف، وسفك الدماء وقتل الرعية، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال، كعادة بنى الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية، فأصير إلى ما كرهت أولاً وآخراً، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس، ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت، وتأنيت وراجعت، وأرسلت وسافرت [وشافهت]، وأعذرت، وأنذرت، وأعطيت القوم كل شيء يلتمسوه بعد أن عرضت عليهم كل شيء لم يلتمسوه.
فلما أبوا إلا تلك، أقدمت عليها، فبلغ الله بي وبهم ما أراد، وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيداً.
ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.