الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٣٦
ذلك من القول إلى الفعل.
وجماعة من خواص أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أعرفهم بالنصح لله، ولرسوله، ولكتابه، ودينه الإسلام، يأتوني عوداً وبدءاً، وعلانية وسراً، فيدعوني إلى أخذ حقي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي، ليؤدوا إلي بذلك بيعتي في أعناقهم، فأقول: رويداً وصبراً، لعل الله يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة، ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل، فقال كل قوم: منا أمير.
وما طمع القائلون في ذلك إلا لتناول غيري الأمر.
فلما دنت وفاة القائم، وانقضت أيامه صير الأمر بعده لصاحبه، فكانت هذه أخت أختها، ومحلها مني مثل محلها، وأخذا مني ما جعله الله لي.
فاجتمع إليَّ من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) ممن مضى وممن بقي، ممن أخره الله من اجتمع، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا في أختها، فلم يَعْدُ قولي الثاني قولي الأول صبراً واحتساباً، ويقيناً وإشفاقاً من أن تفنى عصبة تألفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) باللين مرة، وبالشدة أخرى، وبالنُّذُرِ مرة، وبالسيف أخرى، حتى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس في الكر والفرار، والشبع والري، واللباس والوطاء والدثار، ونحن أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) لا سقوف لبيوتنا، ولا أبواب ولا ستور إلا الجرائد، وما أشبهها، ولا وطاء لنا ولا دثار علينا، يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، ونطوي الليالي والأيام عامتنا، وربما أتانا الشيء مما أفاءه