الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٠٤
والغنى، وما إلى ذلك، وإن كانت يمكن أن تلتقي أحياناً بهاتين الصفتين، فيكون الصديق أو القريب، أو الغني، أو الرئيس، أو الزعيم من أهل الدين والأمانة، من الثقات. ولكن المعيار هو هذه الخصوصيات، لا تلك، لأن تلك قد تكون عبئاً على هذه، وعائقاً أمام فاعليتها.
٤ ـ كان يمكن أن يقتصر (عليه السلام) على قوله: (ومن ترضى دينه وأمانته)، ولكنه لم يفعل ذلك، بل أضاف إليها كلمة: (من أحببت). وحاشا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يريد للهوى، وللعلاقة الشخصية أن يكون لها دور في اختيار الأعوان، بل أراد (عليه السلام) أن يجعل له الإختيار حين يكثر هذا الصنف من الناس إلى حد يزيد عن حاجته، فأوكل أمر التعيين إلى فراسته، وترجيحاته الشخصية، أو لبعض الإعتبارات التي قد يرى أنها تريحه، أو تريح الناس أكثر. وإنما يعطيه هذا الخيار بعد التأكد من توفر العنصرين الأساسيين، وهما: أن يرضى دينه، وأمانته حسبما تقدم.
٥ ـ ثم إنه (عليه السلام) بيَّن لحذيفة: أن العمل الجماعي، مع نخبة من الثقات، ومن يكون مرضي الدين والأمانة.. سيكون من موجبات ازدياد العزة، والشعور بالكرامة ومن موجبات كبت العدو، إذ سيسوؤه أن يرى أهل الدين ممسكين بالأمور، ويهيمنون على مسارها، عاملين فيها وفق ما يفرضه الشرع والدين، ويسعده أن يرى المفسدين، والظالمين وأهل الأهواء، وطلاب اللبانات يعبثون بأمن الناس، ويضيعون مصالحهم، ويفسدون حياتهم.