سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٣ - الباب الثامن في سياق القصة
عملها كتبت له عشرا، و من همّ بسيئة فلم يعملها لم يكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة». فنزل حتى انتهى إلى موسى، فأخبره فقال: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك». قال له: «قد راجعت ربي حتى استحييت منه و لكن أرضى و أسلّم».
فناداه مناد أن «قد أمضيت فريضتي و خففت عن عبادي» [١].
فقال له موسى: «اهبط بسم اللّه». و لم يمر على الملأ من الملائكة إلا قالوا له: «عليك بالحجامة [٢]». و في لفظ: «مر أمّتك بالحجامة». ثم انحدر، فقال جبريل: «ما لي لم آت لأهل السماء إلا رحّبوا بي و ضحكوا إليّ، غير واحد سلّمت عليه فردّ السلام و رحّب بي و دعا لي، و لم يضحك إليّ. قال: قال: «مالك خازن النار، لم يضحك منذ خلق، و لو ضحك لأحد لضحك إليك». فلما نزل إلى السماء الدنيا نظر أسفل منه، فإذا هو برهج و دخان، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، لا يتفكرون في ملكوت السموات و الأرض، و لو لا ذلك لرأوا العجائب.
ثم ركب منصرفا، فمرّ بعير لقريش بمكان كذا و كذا، منها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء و غرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت و استدارت و صرخ ذلك البعير و انكسر، و مرّ بعير قد ضلّوا بعيرا لهم قد جمعه فلان، فسلّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد.
ثم أتى أصحابه قبيل الصبح بمكة، فلما أصبح قطع و عرف أن الناس تكذّبه، فقعد حزينا، فمرّ عليه عدو اللّه أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: أسري بي الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس.
قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فلم ير أنه يكذّبه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه. قال: أ رأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ قال: نعم، قال يا معشر بني كعب بن لؤي.
فانفضت إليه المجالس، و جاءوا حتى جلسوا إليهما. فقال: حدّث قومك بما حدّثتني
فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «إني أسري الليلة بي». قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، فمن بين مصفّق و من بين واضع يده على رأسه متعجّبا، و ضجّوا و أعظموا ذلك.
فقال المطعم بن عديّ: كل أمرك قبل اليوم كان أمما غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى البيت المقدس مصعدا شهرا و منحدرا شهرا، أ تدّعي أنت أنك أتيته في ليلة؟ و اللّات و العزّى لا أصدقك.
[١] أخرجه البخاري، ٧/ ٣٤١ (٣٨٨٧).
[٢] أخرجه البخاري بلفظ، إن أمثل ما تداويتم به الحجامة، (٥٦٩٦).