سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٤ - الباب الثامن في سياق القصة
فقال أبو بكر لمطعم: بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته و كذبته، أما أنا فأشهد أنه صديق صادق. فقالوا: يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه و كيف هيئته؟ و كيف قربه من الجبل؟ و في القوم من سافر إليه. فذهب ينعت لهم بناءه كذا و هيئته كذا، و قربه من الجبل كذا، فما زال ينعته لهم حتى التبس عليه النّعت فكرب كربا ما كرب مثله، فجيء بالمسجد و هو ينظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا: كم للمسجد من باب؟ و لم يكن عدّها، فجعل ينظر إليه و يعدّها بابا بابا، و يعلمهم، و أبو بكر يقول: صدقت صدقت، أشهد أنك رسول اللّه. فقال القوم: أمّا النعت فواللّه لقد أصاب.
ثم قالوا لأبي بكر: أ فتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس و جاء قبل أن يصبح؟
قال: نعم إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فبذلك سمّي أبو بكر الصديق. ثم قالوا: يا محمد أخبرنا عن عيرنا. فقال «أتيت على عير بني فلان بالرّوحاء قد ضلّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، فليس بها منهم أحد، و إذا قدح ماء فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق عليه مسح أسود و غرارتان سوداوان و ها هي ذه تطلع عليكم من الثّنيّة». قالوا: فمتى تجيء؟ قال يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم، انصرفت قريش ينظرون و قد ولّى النهار، و لم تجيء. فدعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فزيد له في النهار ساعة، و حبست عليه الشمس، حتى دخلت العير، فاستقبلوا الليل. فقالوا: هل ضلّ لكم بعير؟ قالوا: نعم. فسألوا العير الأخر فقالوا: هل انكسر لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم. قالوا: فهل كان عندكم قصعة من ماء؟ فقال رجل: أنا و اللّه وضعتها فما شربها أحد، متأوّلا أهريقت في الأرض. فرموه بالسحر، و قالوا: صدق الوليد، فأنزل اللّه تعالى:
وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠].
فائدة: أخرج ابن مردويه عن أنس رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، منذ أسرى به ريحه ريح عروس و أطيب من ريح عروس. شعر و يرحم اللّه تعالى من قال:
ساد الأنام محمّد خير الورى* * * بفضائل جلّت عن الإحصاء
و جوامع الكلم الّتي ما نالها* * * أحد من الفصحاء و البلغاء
و إلى الخلائق كلّهم إرساله* * * فشفى القلوب الجمّة الأدواء
و له الشّفاعة و الوسيلة في غد* * * و مقامه السّامي على الشّفعاء
و يجيء يومئذ كما قد قاله* * * أنا راكب و الرّسل تحت لوائي
و لقد دنا من ربّه لمّا دنا* * * في ليلة المعراج و الإسراء
سمع الخطاب بحضرة قدسيّة* * * ما حلّها بشر من العظماء