سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٢ - الباب الثامن في سياق القصة
و أعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام و الهجرة و الجهاد و الصدقة و صوم رمضان و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أني يوم خلقت السموات و الأرض، فرضت عليك و على أمتك خمسين صلاة في كل يوم و ليلة، فقم بها أنت و أمتك.
قال أبو هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «فضّلني ربي: أرسلني رحمة للعالمين، و كافّة للناس بشيرا و نذيرا، و ألقى في قلوب عدوّي الرّعب من مسيرة شهر، و أحلّ لي الغنائم، و لم تحلّ لأحد قبلي، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و أعطيت فواتح الكلم و خواتمه و جوامعه، و عرضت على أمتي فلم يخف عليّ التابع و المتبوع و رأيتهم على قوم ينتعلون بالشّعر، و رأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأنما أخرمت أعينهم بالمخيط فلم يخف عليّ ما هم، لا قويّ من بعدي، و أمرت بخمسين صلاة».
انتهى. و أعطي ثلاثا: أنه سيّد المرسلين و إمام المتّقين و قائد الغرّ المحجّلين.
و في حديث ابن مسعود: أعطي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الصلوات الخمس، و خواتيم سورة البقرة، و غفر لمن لم يشرك باللّه من أمته شيئا المقحمات [١].
ثم انجلت عنه السحابة و أخذ بيده جبريل، فانصرف سريعا، فأتى على إبراهيم، فلم يقل شيئا، ثم أتى على موسى، قال: و نعم الصاحب كان لكم، فقال: «ما صنعت يا محمد؟ ما فرض عليك ربّك و على أمتك؟» قال: فرض عليّ و على أمتي خمسين صلاة كل يوم و ليلة».
قال: «فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عنك و عن أمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد خبرت الناس قبلك و بلوت بني إسرائيل و عالجتهم أشدّ المعالجة على أدنى من هذا فضعفوا و تركوه، فأمتك أضعف أجسادا و أبدانا و قلوبا و أبصارا و أسماعا». فالتفت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى جبريل يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فرجع سريعا حتى انتهى إلى الشجرة، فغشيته السحابة، و خرّ ساجدا.
و قال: «ربّ خفّف عنا»، و في لفظ: «عن أمتي فإنها أضعف الأمم». قال: «قد وضعت خمسا»، ثم انجلت السحابة، و رجع إلى موسى فقال: «وضع عني خمسا». قال: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك». فلم يزل يرجع بين موسى و بين ربه، يحطّ عنه خمسا خمسا، حتى قال: «يا محمد»، قال: «لبّيك و سعديك» قال: «هنّ خمس صلوات كل يوم و ليلة، لكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة لا يبدّل القول لديّ و لا ينسخ كتابي تخفيفها عنك كتخفيف خمس صلوات، و من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن
[١] المقحمات: أي الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار: أي تلقيهم فيها. انظر النهاية لابن الأثير ٤/ ١٩.