سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٩ - الباب الثامن في سياق القصة
المهابة مشفقات، سبحان العليّ الأعلى، سبحانه و تعالى. فلما خلصا فإذا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بإبراهيم رجل أشمط، جالس عند باب الجنة، على كرسيّ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، و معه نفر من قومه، فسلّم عليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فردّ (عليه السلام)، فقال: مرحبا بالنبي الصالح و الابن الصالح و قال: مر أمّتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيّبة و أرضها واسعة. فقال له: و ما غراس الجنّة؟ قال: «لا حول و لا قوة إلا باللّه العليّ العظيم». و في رواية: «أقرئ على أمّتك مني السلام، و أخبرهم أن الجنة طيبة التّربة عذبة الماء و أن غراسها؟ سبحان اللّه و الحمد اللّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر». و هو أشبه ولده به، و عنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، و قوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا، فاغتسلوا فيه فخرجوا و قد خلصت ألوانهم و صارت مثل ألوان أصحابهم. فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم فقال: يا جبريل من هؤلاء البيض الوجوه و من هؤلاء الذين في ألوانهم شيء و ما هذه الأنهار التي دخلوها؟
فقال: أما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، و أما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا فتابوا فتاب اللّه عليهم، و أما هذه الأنهار فأولها رحمة اللّه و الثاني نعمة اللّه و الثالث وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: ٢١] و قيل له: هذا مكانك و مكان أمتك، و إذا هو بأمّته شطرين: شطر عليهم ثياب كأنها القراطيس، و شطر عليه ثياب رمد [١]، فدخل البيت المعمور، و دخل معه الآخرون الذين عليهم الثياب البيض و حجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرّمد و هم على خير، فصلّى و من معه من المؤمنين في البيت المعمور، و إذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، آخر ما عليهم، ثم خرج و من معه.
و في حديث عند الطبراني بسند صحيح: «مررت ليلة أسري بي على الملأ الأعلى فإذا جبريل كالحلس [٢] البالي من خشية اللّه، و في رواية عند البزار «كأنه حلس لاطئ». انتهى، ثم أتي بإناء من خمر و إناء من لبن و إناء من عسل، فشرب اللبن، فقال جبريل: اختارت [٣] أمّتك الفطرة،
و في رواية: هذه الفطرة التي أنت عليها و أمّتك. ثم رفع إلى سدرة المنتهى، و إليها ينتهي ما يعرض من الأرض فيقبض منها، و إليها ينتهي ما يهبط من فوق فيقبض منها. و إذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، و أنهار من خمر لذّة للشاربين، و أنهار من عسل مصفّى، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. و إذا نبقها مثل قلال هجر، و إذا ورقها
[١] رمد: أي عبر فيها كدورة كلّون الرّماد، واحدها أرمد. انظر النهاية لابن الأثير ٢/ ٢٦٢.
[٢] حلس جمع حلس، و هو الكساء الذي بلي ظهر البعير تحت القتب، شبّهها به للزومها و دوامها. انظر النهاية لابن الأثير ١/ ٤٢٣.
[٣] في أ: أصاب اللّه بك.