سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٤ - الباب الثامن في سياق القصة
أحمد. فقال: مرحبا بالنبي العربي الذي بلّغ رسالة ربه و نصح لأمّته، يا بنيّ إنك لاق ربّك الليلة، و إن أمتك آخر الأمم و أضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلّها في أمتك فافعل.
و دعا له بالبركة.
فسار حتى أتى الوادي الذي في المدينة يعني بيت المقدس، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي. فقيل: يا رسول اللّه كيف وجدتها؟ قال: «مثل الحمم» ثم سار حتى انتهى إلى المدينة، فدخلها من بابها اليماني، و إذا عن يمين المسجد و عن يساره نوران ساطعان. فقال: يا جبريل ما هذان النوران؟ قال: أما الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود، و أما الذي عن يسارك فعلى قبر أختك مريم. فدخل المسجد من باب فيه تميل الشمس و القمر، فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها فخرقها، فشدّ بها البراق، و في رواية مسلم، فربطه بالحلقة التي تربط بها الأنبياء. فلما استوى بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في صخرة المسجد، قال جبريل: يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، قال جبريل: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلّم عليهن، و هنّ جلوس عن يسار الصخرة، فانتهى إليهن، فسلّم عليهن، فرددن (عليه السلام). فقال: من أنتنّ؟ فقلن: «خيرات حسان»، ساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، و أقاموا لم يظعنوا، و خلّدوا فلم يموتوا.
ثم صلّى هو و جبريل كل واحد ركعتين فلم يلبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثيرون، فعرف النبيين من بين قائم و راكع و ساجد، ثم أذّن مؤذّن و أقيمت الصلاة، فقاموا ينتظرون من يؤمّهم، فأخذ جبريل بيده فقدّمه فصلّى بهم ركعتين. و في رواية: ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا حتى قدّموا محمدا. و عند الواسطي عن كعب: فأذن جبريل و نزلت الملائكة من السماء و حشر اللّه له المرسلين، فصلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالملائكة و المرسلين، فلما انصرف، قال جبريل:
يا محمد، أ تدري من صلّى خلفك؟ قال: لا. قال: كلّ نبيّ بعثه اللّه تعالى.
و في حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه، عند الحاكم و صحّحه البيهقي: فلقي أرواح الأنبياء، فأثنوا على ربهم. فقال إبراهيم: «الحمد للّه الذي اتخذني خليلا و أعطاني ملكا عظيما و جعلني أمّة قانتا يؤتمّ بي، و أنقذني من النار، و جعلها عليّ بردا و سلاما. ثم إن موسى أثنى على ربه تبارك و تعالى فقال: «الحمد للّه الّذي كلّمني تكليما و جعل هلاك فرعون و نجاة بني إسرائيل على يدي، و جعل من أمّتي قوما يهدون بالحق و به يعدلون». ثم إن داود أثنى على ربه فقال: «الحمد للّه الذي جعل لي ملكا عظيما، و علّمني الزبور، و ألان لي الحديد، و سخّر لي الجبال يسبّحن و الطير، و أعطاني الحكمة و فصل الخطاب».
ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: «الحمد للّه الذي سخّر لي الرياح و سخّر لي