سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٣ - تنبيهات
كما تقدم و أخبار مقيّدة، فيجب حمل مطلقها على مقيّدها. فمن المقيّدة ما رواه مسلم عن أبي العالية في قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١]، وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣]، قال: «رآه بفؤاده مرّتين». و روى أيضا عن طريق عطاء عنه قال: «رآه بقلبه». و روى ابن مردويه من طريق عطاء عنه أيضا في الآية قال: «لم يره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعينه إنما رآه بقلبه». و روى النّسائي و ابن خزيمة عن أبي ذرّ في الآية قال: «رآه بقلبه و لم يره بعينه».
و روى ابن جرير و ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيد عن محمد بن كعب القرظي- بالظاء المعجمة المشالة و بالتحتية-
قال ابن جرير عن بعض أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، قلنا: يا رسول اللّه، هل رأيت ربّك؟ قال: لم أره بعيني، رأيته بفؤادي مرّتين»
ثم تلا ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى [النجم: ٨] و موسى ضعيف.
الثاني: قال الحافظ: المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان عالما باللّه تعالى على الدوام. بل مراد من أنه أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، زاد صاحب السراج: «بخلاف غيره من الأولياء، فإنهم إذا أطلقوا الرؤية و المشاهدة لأنفسهم، فإنهم إنما يريدون «المعرفة» فاعلمه، فإنه من الأمور المهمة التي يغلط فيها كثير من الناس». انتهى. و الرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا و لو جرت العادة بخلقها في العين. قال الواحدي: «و على القول بأنه رآه بقلبه جعل اللّه تعالى بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتى رأى ربّه رؤية صحيحة كما يرى بالعين».
الثالث: على هذه الآثار المقيّدة عن ابن عباس يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس و نفي عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر و إثباتها على رؤية القلب.
الرابع:
قال ابن كثير: [فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر حدثنا حمّاد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما] قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): رأَيتُ ربي عَزَّ و جَلَّ،
فإنه حديث إسناده صحيح. على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس.
الخامس: قال ابن كثير: من روى عن ابن عباس أنه رآه ببصره فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة. و قول البغوي: و ذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، و هو قول أنس و الحسن و عكرمة فيه نظر. قلت: سبق البغوي إلى ذلك الإمام أبو الحسن الواحدي و قول ابن كثير: إنه لم يصح في ذلك شيء عن الصحابة فليس بجيّد، قال: فقد روى الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: نظر محمد إلى ربّه مرتين: مرة ببصره و مرة بفؤاده.