سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٦ - الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لربه تبارك و تعالى ليلة المعراج
أعلمه إياه و أطلعه عليه، فقال له تعالى غير ناف للجواز: «لن تراني»، دون لن أرى المؤذنة بنفيه أي لن تطيق و لا تحتمل رؤيتي الآن لتوقّفها على معدّ لها في الرائي لم يوجد فيك بعد.
و مثّل له مثالا بما هو أقوى من نبيّه موسى (صلّى اللّه عليه و سلم) و أثبت، و هو الجبل في قوله: وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣].
و هذا هو الدليل الثاني: و بيانه أنه تعالى علّق رؤية موسى إياه تعالى باستقرار جبل المناجاة في مكانه وقت التجلي له، و الشيء المعلّق بالممكن ممكن، إذ معنى التعليق الإخبار بثبوت المعلّق عند ثبوت المعلّق به. و على هذا فالشرطية خبرية إذا كان الجزاء في الأصل خبريّا كما هنا. فثبت إمكان الرؤية ضرورة أن اللّه تعالى أخبر بوقوعها على بعض التقادير، و المحال لا يقع على شيء من التقادير أصلا، و إذا ثبت الإمكان انتفى الامتناع و بالعكس و هنا أبحاث محلها الكتب الكلامية. و قول موسى (صلّى اللّه عليه و سلم): تُبْتُ إِلَيْكَ، أي من الإقدام على سؤالي إياه في الدنيا ما لم تقدّره لي. و قيل: إن قوله تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] إنما كان لما غشيه من شدّة ما أفضى به إلى أن صعق، كما تقول من فعل جائر عراك منه مشقّة: تبت عن فعل مثله.
و قال القاضي أبو بكر الهذلي، في قوله تعالى: لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] أي ليس لبشر أن يطيق النّظر إليّ في الدنيا و أن من نظر إليّ في الدنيا مات، أي في الحال، بشهادة صعق موسى إذ رأى الجبل» و قال القاضي: «و قد رأيت لبعض السلف و المتأخرين أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة، لا من حيث ذاتها، لثبوت جوازها فيها بما مرّ، و إنما امتنعت فيها لضعف تراكيب أهل الدنيا و قواهم، و كونها متغيّرة عرضة للآفات من نوائب مقلقلة و نواكب للأكباد معلقة تنذر بالموت و الفناء، فلم تكن لهم قوة على الرؤية في الدنيا. فإذا كان في الآخرة و ركّبوا تركيبا آخر و رزقوا قوى ثابتة باقية و أتمّت أنوار أبصارهم و قلوبهم حصل بذلك قوّة على الرؤية في الآخرة».
و قد رأيت نحو هذا للإمام مالك بن أنس (رحمه اللّه) قال: «لم ير في الدنيا لأنه باق و لا يرى الباقي بالفاني. فإذا كان في الآخرة و رزقوا أبصارا باقية رئي الباقي بالباقي» و هذا الذي قاله الإمام مالك كلام حسن مليح، و ليس فيه دلالة على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة، فإذا قوّى اللّه تعالى من شاء أقدره على حمل أعباء الرؤية في حقه في أي وقت كان.
قال الحافظ: «و وقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه:
«و اعلموا أنكم لن تروا ربّكم حتّى تموتوا». و أخرجه ابن خزيمة- بخاء معجمة مضمومة فزاي مفتوحة. من حديث أبي أمامة، و من حديث عبادة بن الصامت. فإذا جازت الرؤية في الدنيا