سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٥ - تنبيهات
الباب الرابع في سؤال اليهود رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الروح
روى الإمام أحمد و الشيخان و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و غيرهم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: «كنت أمشي مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في حرث المدينة- و في لفظ: حرث الأنصار و في لفظ: في نخل- و هو متوكّئ على عسيب- و في لفظ: و معه جريدة- إذ مرّ اليهود- و في لفظ: إذ مرّ بنفر من اليهود- فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، و قال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون- و في لفظ: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقال بعضهم لبعض: لنسألنّه، فقام إليه رجل- و في لفظ: فقاموا إليه فقالوا: «يا محمد»- و في لفظ: «يا أبا القاسم ما الروح»؟- و في لفظ: «فأخبرنا عن الروح، كيف تعذّب الروح الذي في الجسد؟ و إنما الروح من اللّه عزّ و جلّ» فسكت- و في لفظ: فما زال متّكئا على العسيب، فعلمت أنه يوحى إليه، فتأخرت فلما نزل الوحي قال: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [١]. [الإسراء: ٨٥] و في رواية عند ابن جرير بسند رجاله ثقات عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود رضي اللّه عنه: فقالوا: «هكذا نجده في كتابنا». فقال بعضهم لبعض: «و قد قلنا لكم: لا تسألوه».
تنبيهات
الأول: دلّ حديث ابن مسعود على أن نزول هذه الآية كان بالمدينة و روى الإمام أحمد و الترمذي و صحّحه، و النسائي و ابن حبّان عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. قالوا: «أوتينا علما كثيرا. أوتينا التوراة، و من أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا». فأنزل اللّه عز و جل قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف ١٠٩] سند رجاله رجال صحيح مسلم، و رواه ابن إسحاق من وجه آخر نحوه، و سبق في باب امتحان المشركين رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بأشياء لا يعرفها إلا نبي.
و روى ابن إسحاق و ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا،
فلما هاجر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أ فعنيتنا أم عنيت قومك؟ قال: «لا بل
[١] أخرجه البخاري ٨/ ٢٥٣ (٤٧٢١).