سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٣ - الباب الثالث في موادعته (صلّى اللّه عليه و سلم) اليهود، و كتبه بينه و بينهم كتابا بذلك، و نصبهم العداوة له و لأصحابه حسدا و عدوانا، و نقضهم للعهد
و روى ابن عائذ عن عروة بن الزبير: أن أول من أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من اليهود أبو ياسر بن أخطب أخو حيىّ بن أخطب، فسمع منه، فلما رجع قال لقومه: «أطيعوني فإن هذا هو النبي الذي كنّا ننتظره» فعصاه أخوه، و كان مطاعا فيهم، فاستحوذ عليهم الشيطان فأطاعوه.
و روى أبو سعيد النيسابوري في الشرف عن سعيد بن جبير قال: «جاء ميمون بن يامين، و كان رأس يهود، إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: «يا رسول اللّه ابعث إليهم و اجعلني حكما بينهم فإنهم يرجعون لي» فأدخله داخلا، ثم أرسل إليهم، فأتوه، فخاطبوه، فقال: «اختاروا رجلا يكون حكما بيني و بينكم».
قالوا: «قد رضينا ميمون بن يامين». فلما خرج إليهم قال: «أشهد أنه رسول اللّه». فأبوا أن يصدّقوه. و
روى الإمام أحمد و الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: «قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «لو آمن بي عشرة من أحبار يهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض» [١].
و روى ابن أبي حاتم و أبو سعيد النيسابوري و زاد في آخره قال: «و قال كعب: اثني عشر»، و تصديق ذلك في [سورة المائدة]: وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة ١٢] قال الحافظ: فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، و إلّا فقد آمن به (صلّى اللّه عليه و سلم) أكثر من عشرة، و قيل
[ ()] بين أهل هذه الصحيفة من حدث يخيف فساده فان أمره إلى اللّه و إلى محمد النبي، و أن بينهم النصر على من دهم يثرب و أنهم إذا دعوا اليهود إلى صلح حليف لهم فإنهم يصالحونه، و إن دعونا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب الدين، و على كل أناس حصتهم من النفقة. و أن يهود الأوس و مواليهم و أنفسهم مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة، و أن بني الشطبة بطن من جفنة، و أن البر دون الإثم فلا يكسب كاسب إلا على نفسه و أن اللّه على أصدق ما في هذه الصحيفة و أبره. لا يحول الكتاب دون ظالم و لا آثم، و أنه من خرج آمن، و من قعد آمن، إلا من ظلم و أثم، ولى أولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن.
قال أبو عبيد: قوله «بنو فلان على رباعتهم» الرباعة هي المعاقل. و قد يقال: فلان رباعة قومه، إذا كان المتقلد لأمورهم، و الوافد على الأمراء فيما ينوبهم. و قوله: «إن المؤمنين لا يتركون مفرحا في فداء» المفرح: المثقل بالدين، يقول: فعليهم أن يعينوه، إن كان أسيرا فك من إساره، و إن كان جنى جناية خطأ عقلوا عنه و قوله: «و لا يجير مشرك مالا لقريش» يعني اليهود الذين كان وادعهم، يقول: فليس من موادعتهم أن يجيروا أموال أعدائه، و لا يعينوهم عليه. و قوله: «و من اعتبط مؤمنا قتلا فهو قود» الاعتباط: أن يقتله بريا محرم الدم. و أصل الاعتباط في الإبل: أن تنحر بلا داء يكون بها. و قوله: «إلا أن يرضي أولياء المقتول بالعقل» فقد جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الخيار في القود أو الدية إلى أولياء القتيل. و هذا مثل حديثه الآخر «و من قتل له قتيل فهو بأحد النظرين إن شاء قتل و إن شاء أخذ الدية» و هذا يرد قول من يقول ليس للولي في العمد أن يأخذ الدية إلا بطيب نفس من العاقل و مصالحة منه له عليها. و قوله: «و لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثا أو يؤويه» المحدث: كل من أتى حدا من حدود اللّه عز و جل، فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه. و هذا شبيه بقوله الآخر: «من حالت شفاعته دون حد من حدود اللّه فقد ضاد اللّه في أمره» و قوله: «لا يقبل منه صرف و لا عدل».
حدثنا هشيم عن رجل قد سماه عن مكحول قال: «الصرف التوبة و العدل: الفدية».
قال أبو عبيد: و هذا أحب إلي من قول من يقول الفريضة و التطوع لقول اللّه تبارك و تعالى. (و لا يؤخذ منها عدل) فكل شيء فدي به شيء فهو عدله و قوله «و أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» فهذه النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له على عدوه. و نرى أنه أنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم من النفقة. و لولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم. الأموال ١٩٣، ١٩٤، ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧.
[١] أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٤٦ و ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٢٢١ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (١٣٤٧).