سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٤ - الباب الثالث في موادعته (صلّى اللّه عليه و سلم) اليهود، و كتبه بينه و بينهم كتابا بذلك، و نصبهم العداوة له و لأصحابه حسدا و عدوانا، و نقضهم للعهد
المعنى: «لو آمن في الزمان الماضي كالزمن الذي قبل قدوم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- المدينة أو حال قدومه». قال الحافظ: «و الذي يظهر أنهم و هم الذين كانوا حينئذ رؤساء في يهود، و من عداهم كان تبعا لهم، فلم يسلم منهم إلا القليل كعبد اللّه بن سلام، و كان من المشهورين بالرياسة في يهود بني قينقاع عند قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). و من بني النّضير: أبو ياسر- بتحتية و سين فراء مهملتين- ابن أخطب- بخاء معجمة فطاء مهملة فموحّدة- و أخوه حيىّ بن أخطب، و كعب بن الأشرف و أبو رافع سلام بن الربيع بن أبي الحقيق- بقافين مصغّر. و من بني قينقاع: سعد بن حنيف، و فنحاص- بفاء مكسورة فنون ساكنة فحاء مهملة فألف فصاد مهملة- و رفاعة بن زيد [ابن التابوت]. و من بني قريظة: الزّبير- بفتح الزاي- ابن باطى بن وهب، و كعب بن أسد و هو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب و شمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت أحد منهم، و كان كل منهم رئيسا في اليهود، لو أسلم لتبعه جماعة، فيحتمل أن يكونوا المراد.
و روى أبو نعيم في الدلائل من وجه آخر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه بلفظ: «لو آمن بي الزّبير بن باطى و ذووه من رؤساء لأسلموا كلهم» [١]. و أغرب السهيلي فقال: لم يسلم من أحبار اليهود إلّا اثنان: عبد اللّه بن سلام، و عبد اللّه بن صوري. قال الحافظ: كذا قال، و لم أر لعبد اللّه بن صوري إسلاما من طريق صحيحة، فإنما نسبه السهيلي في موضع آخر لتفسير النّقّاش.
قال ابن إسحاق: «و نصبت بعد ذلك أحبار يهود لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- العداوة بغيا و حسدا و ضغنا لما خصّ اللّه تعالى به العرب من اصطفاء رسوله منهم. و كانت أحبار يهود، هم الذين يسألون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و يتعنّتونه و يأتونه باللّبس ليلبسوا الحقّ بالباطل، و كان القرآن ينزل فيهم و فيما يسألون عنه، إلا قليلا من المسائل في الحلال و الحرام كان المسلمون يسألون عنها».
و ذكر ابن إسحاق و غيره أسماء اليهود، و لا حاجة بي هنا إلى ذكرهم، بل من جاء ذكره في كتابي تكلمت عليه، و كانوا ثلاث قبائل: قينقاع- بفتح القاف و تثليث النون و بالعين المهملة، و يجوز صرفه على إرادة الحيّ و ترك صرفه على إرادة القبيلة أو الطائفة- و هم الوسط من يهود المدينة. و إذا قلت: بنو قينقاع فالوجه الصّرف، و قريظة- بقاف مضمومة فظاء معجمة مشالة، و هو أخو النضير و الوسط من يهود المدينة، و النّضير- بضاد معجمة ساقطة وزن كريم.
و حاربته الثلاثة، و نقضوا العهد الذي بينه و بينهم، فمنّ على بني قينقاع، و أجلى بني النضير، و قتل بني قريظة، و سبى ذريتهم، و نزلت سورة الحشر في بني النضير، و سورة الأحزاب في بني قريظة، و سيأتي بيان ذلك مفصّلا في المغازي إن شاء اللّه تعالى.
[١] انظر فتح الباري ٧/ ٢٧٥.