سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٣ - تنبيهات
ضمير الأمر و الحديث، فكأنه قال: إن الحديث من كل ما يخلق اللّه يختار، فالأعمال إذا كلّها من خلق اللّه، قد اختار منها ما شاء، قال سبحانه: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ.
و قوله: «قد سمّاه اللّه خيرته من الأعمال»، يعني الذّكر و تلاوة القرآن [لقوله سبحانه:
«و يختار» فقد اختاره من الأعمال]. و قوله: «و المصطفي من عباده»: أي سمّى المصطفى من عباده بقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ [الحج ٧٥] و يجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده أي العمل الذي اصطفاه منهم و اختاره من أعمالهم، فلا تكون «من» على هذا للتبعيض، إنما تكون لابتداء الغاية، لأنه عمل استخرجه منهم لتوفيقه إياهم، و التأويل الأول أقرب مأخذا. و اللّه أعلم بما أراد رسوله».
و قوله في أول الخطبة: «إن الحمد اللّه أحمده»، هكذا برفع الدال [من قوله: الحمد للّه] وجدته مقيّدا مصحّحا عليه، و إعرابه ليس على الحكاية، و لكن على إضمار الأمر، كأنه قال: «إن الأمر الذي أذكره»، حذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدّم شيئا في اللفظ من الأسماء على قوله: «الحمد للّه». و ليس تقديم «إنّ» في اللفظ من باب تقديم الأسماء لأنها حرف مؤكّد لما بعده مع ما في اللفظ من التّحرّي للفظ القرآن و التّيمّن به و اللّه أعلم.
الثاني: اختلف في تسمية اليوم بذلك، مع أنه كان اتفاقا يسمّى في الجاهلية:
«العروبة»- بفتح المهملة و ضمّ الراء و بالموحّدة- قلت: قال أبو جعفر النّحّاس في كتابه:
«صناعة الكتابة»: لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف و اللام إلّا شاذّا، و معناه اليوم المبيّن المعظّم من أعرب إذا بيّن. فقيل: سمّي بذلك لأن الخلائق جمعت فيه، ذكره أبو حذيفة البخاري في المبتدإ عن ابن عباس، و إسناده ضعيف. و قيل: لأن خلق آدم جمع فيه.
و روى الإمام أحمد و النسائي و ابن خزيمة و ابن أبي حاتم عن سلمان رضي اللّه عنه قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أ تدري ما يوم الجمعة؟» قلت: اللّه و رسوله أعلم. قالها ثلاث مرّات. قال في الثالثة: «هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم».
الحديث، و له شاهد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، رواه ابن أبي حاتم بإسناد قوي، و الإمام أحمد مرفوعا بإسناد ضعيف. قال الحافظ: «و هذا أصحّ. و يليه ما رواه عبد الرّزّاق عن ابن سيرين بسند صحيح إليه، في قصة تجميع الأنصار، مع أسعد بن زرارة. و كانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، صلّى بهم فيه و ذكّرهم فسمّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه». و قيل: «سمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه». و بهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية و إنما كان يسمّى العروبة. و فيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية، و قالوا: الجمعة هو يوم العروبة. و الظاهر أنهم غيّروا الأيام السّبعة بعد أن كانت: أوّل و أهون و جبار و دبار و مؤنس و عروبة و شيار.