سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٤ - تنبيهات
بالدّجّال، و كيف مدحت المدينة الشريفة بأنه لا يدخلها؟ و الجواب أنه كونه شهادة و رحمة ليس المراد بوصف ذلك ذاته، و إنما المراد أن ذلك يترتّب عليه و ينشأ عنه، و أنه سببه، فإذا تقرّر ذلك و استحضر ما ورد في الأحاديث من أن طعن الجنّ ظهر به مدح المدينة بأنه لا يدخلها إشارة إلى أن كفّار الجنّ و شياطينهم ممنوعون من دخول المدينة الشريفة، و من اتفق دخوله إليها منهم لا يتمكن من آحاد أهلها بالطعن حماية من اللّه تعالى لهم منهم. فإن قيل:
طعن الجنّ لا يختص بوقوعه من كفّارهم في مؤمني الإنس، بل يقع من مؤمني الجنّ في كفّار الإنس، فإذا سلم منع الجنّ الكفار من المدينة لم يمنع من آمن منهم من دخولها فالجواب: إن دخول كفار الإنس المدينة غير مباح، فإنه إذا لم يسكن المدينة إلا من أظهر الإسلام، جرت عليه أحكام المسلمين، و صار من لم يكن خالص الإسلام تبعا للخالص، فحصل الأمن من دخول الجنّ إليهم، فلذلك لا يدخلها الطاعون أصلا. قال الحافظ في بدل الطاعون في أخبار المدينة: و هذا الجواب أحسن من جواب القرطبي في المفهم حيث قال: «المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي في غيرها كطاعون عمواس [١] و الجارف». و هو جواب صالح على تقدير التّنزّل أن لو وقع شيء من ذلك بها. و قال غيره: سبب الرحمة لم ينحصر في الطاعون
و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «غير أن عافيتك أوسع لي»،
فإن ذلك من خصائص المدينة الشريفة، و لوازم دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لها بالصحة. و أجاب المنبجي بأجوبة منها أنها صغيرة، فلو وقع بها الطاعون أفنى أهلها، و منها أنه عوّضهم عن الطاعون بالحمّى لأن الطاعون يأتي بعد مدة و الحمّى تتكرر في كل مدة فتعادلا. قال الحافظ: «و يظهر لي جواب أخص من هذه الأجوبة بعد استحضار
حديث أبي عسيب أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «أتاني جبريل بالحمّى و الطاعون فأمسكت الحمّى بالمدينة و أرسلت الطاعون إلى الشام»،
الحديث، و هو أن الحكمة في ذلك أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا و مددا من زاد و غيره، و كانت المدينة وبيئة كما سبق، فناسب الحال الدعاء بتصحيح المدينة لتصحّ أجساد المقيمين بها ليقووا على جهاد الكفار، و خيّر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في أمرين، يحصل لمن أصاب كلّا منهما عظيم الثواب، و هما الحمّى و الطاعون، فاختار الحمّى بالمدينة لأن أمرها أخف من أمر الطاعون لسرعة الموت به غالبا.
فلما أذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمّى ضعف الأجساد التي تحتاج إلى القوة في الجهاد، فدعا حينئذ بنقل الحمى إلى الجحفة فأجيب دعاؤه، و صارت المدينة من أصحّ بلاد اللّه، فإذا شاء اللّه موت أحد منهم، حصل له التي كانت من الطاعون بالقتل في
[١] عمواس رواه الزمخشري بكسر أوله، و كسر ثانيه. و غيره بفتح أوله و ثانيه و سين مهملة آخره: كورة من فلسطين قرب بيت المقدس و كانت عمواس قصبتها قديما، و هي ضيعة جليلة على ستة أميال من بيت المقدس منها كان ابتداء الطاعون المنسوب إليها في زمن عمر، قيل مات فيه خمسة و عشرون ألفا. من مراصد الاطلاع ٢/ ٩٦٢، ٩٦٣.