سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - تنبيهات
التاسع: قال المهلّب بن أبي صفرة [١] (رحمه اللّه): «أنما شرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من لبن الغنم لأنه حينئذ كان في زمن المكارمة و لا يعارضه: «لا يحلبنّ أحد شاة إلا بإذنه» [٢] لأن ذلك وقع في زمن التّشاحّ، أو الثاني محمول على التّسوّر، و الأول لم يقع فيه ذلك، بل قدّم أبو بكر سؤال الرّاعي: هل أنت حالب؟ فقال: نعم، كأنه سأله: هل أذن صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليه؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك و الإذن في الحلب للمارّ و ابن السبيل، فكان كلّ راع مأذونا له في ذلك».
و قال الداودي: «إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل، و له شرب ذلك إذا احتاج و لا سيما النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أبعد من قال: «إنما استجازه لأنه مال حربي لأن القتال لم يكن فرض بعد و لا أبيحت الغنائم» و قال الحافظ: «قول أبي بكر: أفي غنمك لبن؟ الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام: أ معك إذن في الحلب لمن يمرّ بك على سبيل الضّيافة؟ و يحتمل أن أبا بكر لما عرف مالك الغنم عرف رضاءه بذلك لصداقته له أو إذنه العام بذلك».
العاشر: ذكر أبو نعيم هنا قصة إسلام ابن مسعود، لما وقع في بعض طرقه، قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر، و قد فراّ من المشركين، فقالا: «يا غلام هل معك من لبن»؟ فذكر الحديث، و يأتي بتمامه في المعجزات.
قال في البداية و الفتح: «قوله في هذا السياق: «و قد فرّا من المشركين»، ليس المراد به وقت الهجرة، و إنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة، لأن ابن مسعود كان ممن أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة كما تقدم ذلك، و قصته ثابتة في الصحاح.
الحادي عشر: ذكر في «العيون» قصة سراقة قبل قصة أم معبد و التزم في أولها أنه يرتّب الوقائع. و ذكر في «الإشارة» قصتها قبل قصة سراقة، و تبعته في ذلك و هو الصحيح الذي صرّح جماعة.
الثاني عشر: ذكر رزين أن قريشا أقامت أياما لا يدرون أين أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسمعوا صوتا على أبي قبيس و هو يقول:
[١] المهلّب بن أبي صفرة ظالم بن سراق الأزدي العتكي، أبو سعيد أمير بطاش، جواد، قال فيه عبد اللّه بن الزبير: هذا سيد أهل العراق، و قدم المدينة مع أبيه في أيام عمر. و ولي إمارة البصرة لمصعب بن الزبير. و فقئت عينه بسمرقند و انتدب لقتال الأزارقة، و كانوا قد غلبوا على البلاد، و شرط له أن كل بلد يجليهم عنه يكون له التصرف في خراجه تلك السنة فأقام يحاربهم تسعة عشر عاما لقي فيها منهم الأهوال. و أخيرا تمّ له الظفر بهم، فقتل كثيرين و شرد بقيتهم في البلاد. ثم ولاه عبد الملك بن مروان ولاية خراسان، فقدمها سنة ٧٩ ه- و مات فيها سنة ٨٣ ه-. كان شعاره في الحرب: «حم لا ينصرون» و هو أول من اتخذ الركب من الحديد، و كانت قبل ذلك تعمل من الخشب. الأعلام ٧/ ٣١٥.
[٢] أخرجه البخاري ٣/ ١٦٥ و مسلم في كتاب اللقطة (١٣).