سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - قصة أم معبد رضي اللّه عنها
فشأنك بها. فدعا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فمسح بيده ضرعها و ظهرها و سمّى اللّه عز و جل و دعا لها في شاتها فتفاجّت عليه و درّت و اجترّت، و دعا بإناء يربض الرّهط [١] فحلب فيه ثجاّ حتى علاه البهاء- و في لفظ الثّمال- ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب (صلّى اللّه عليه و سلم) آخرهم، و قال: «ساقي القوم آخرهم شربا» [٢]. ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها و ارتحلوا عنها.
و روى ابن سعد و أبو نعيم عن أم معبد قالت: «بقيت الشاة التي لمس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة و هي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. و كنا نحلبها صبوحا و غبوقا، و ما في الأرض قليل و لا كثير». و قال هشام بن حبيش: «أنا رأيت الشاة و إنها لتأدم أمّ معبد و جميع صرمتها»، أي أهل ذلك الماء.
فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيالا [٣] عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل.
فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد و الشاة عازب و لا حلوب في البيت؟ قالت: «لا و اللّه إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا و كذا». قال: «فيه لي يا أم معبد». قالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة و لم تزر به صعلة، و سيم قسيم، في عينيه دعج و في أسفاره و طف و في صوته صحل- أو قالت صهل- و في عنقه سطع، و في لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سما و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاه من بعيد و أحسنه و أحلاه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا تشنؤه من طول، و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله و إذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود [٤] محشود لا عابس و لا مفنّد». فقال أبو معبد: «هذا و اللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر و لقد هممت أن أصحبه و لأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا».
قالت أسماء رضي اللّه عنها: «لما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر أتانا نفر من قريش
[١] يربض الرهط: أي يرويهم و يثقلهم حتى يناموا و يمتدوا على الأرض. من ربض في المكان يربض إذا لصق به و أقام ملازما له. انظر النهاية ٢/ ١٨٤.
[٢] أخرجه أبو داود (٣٧٢٥) و الترمذي (١٨٩٤) و ابن ماجة (٣٤٣٤) و أحمد في المسند ٤/ ٣٥٤ و الدارمي ٢/ ١٢٢ و البيهقي في السنن ٧/ ٢٨.
[٣] قال ابن الأثير: أي غير حوامل، حالت تحول حيالا و هي شاء حيال، و إبل حيال. و الواحدة حائل، و جمعها حول أيضا بالضم. انظر النهاية ١/ ٤٦٣.
[٤] المحفود: الذي يخدمه أصحابه و يعظمونه و يسرعون في طاعته. انظر النهاية ١/ ٤٠٦.