سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - قصة أم معبد رضي اللّه عنها
فأدلجنا فأحيينا يومنا و ليلتنا حتى أظهرنا و قام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقيّة ظلّها فسوّيته لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و فرشت له فروة ثم قلت: اضطجع يا رسول اللّه و أنا أنفض لك ما حولك، ثم خرجت هل أرى أحدا من الطّلب فإذا براع مقبل بغنمه يريد من الصخرة ما أردنا: فلقيته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال:
لرجل من أهل مكة، فسمّاه فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها. فقلت: انفض الضرع من التراب و القذي، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن و معه إداوة أرتوى فيها للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يشرب منها و يتوضّأ، على فمها خرقة، فأتيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتى استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله،
فقلت: يا رسول اللّه اشرب من هذا اللبن. فشرب حتى رضيت. ثم قال: «ألم يأن الرحيل؟» قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس [١].
قصة أم معبد رضي اللّه عنها
روى الطبراني و الحاكم و صحّحه، و أبو نعيم و أبو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد الأشعر الخزاعي القديدي [٢]، أخي أم معبد رضي اللّه عنهما، و أبو بكر الشافعي عن أبي سليط- بفتح السين المهملة و كسر اللام فمثنّاة تحتية فطاء مهملة- و اسمه أسيرة- بضم أوله و فتح ثانيه و سكون المثنّاة التحتية- ابن عمرو الأنصاري رضي اللّه عنه، و ابن سعد و البيهقي عن أبي معبد، و ابن السّكن عن أم معبد رضي اللّه عنها، و البزّار أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو و أبو بكر، و مولى أبي بكر عامر بن فهيرة و دليلهم الليثي عبد اللّه بن الأريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، و هي لا تعرفه، و كانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبّة ثم تسقي و تطعم فسألوها لحما و تمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، و إذا القوم مرملون مسنتون. فقالت: و اللّه لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم.
فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى شاة في كسر الخيمة- و في لفظ في كفاء البيت- فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد»؟ قالت:
شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبن»؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أ تأذنين لي أن أحلبها»؟ قالت: بأبي أنت و أمي نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها فواللّه ما ضربها فحل قط
[١] أخرجه البخاري ٤/ ٢٤٥ و مسلم في كتاب الزهد (٧٥).
[٢] حبيش بن خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حبيش بن حزام بن حبشية بن كعب بن عمرو: و قيل: حبيش بن خالد بن حليف بن منقذ بن ربيعة. و قيل: حبيش بن خالد بن ربيعة لا يذكرون منقذا، الخزاعي الكعبي، أبو صخر، و أبوه خالد يقال له: الأشعر. و قال ابن الكلبي: حبيش هو الأشعر، و زاد في نسبه، فقال: حبيش بن خالد بن حليف بن منقذ بن أصرم، و وافقه ابن ماكولا إلا أنه جعل الأشعر خالدا. و قال إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: خنيس، بالخاء المعجمة و النون، و الأول أصح، يكنى أبا صخر، و هو أخو أم معبد، و صاحب حديثها. أسد الغابة ١/ ٤٥١.