سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
أحد، فسمع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ما قال، فعرف أن اللّه قد درأ عنه بهما فبارك عليهما النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و فرض جزاءهن و انحدرتا في الحرم فأفرخ ذلك الزوج كل شيء في الحرم. و روى الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، أن المشركين قصّوا أثر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمرّوا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فمكث فيه ثلاثة أيام.
و روى الحافظ أبو بكر أحمد بن سعيد [١] القاضي شيخ النسائي في مسند الصديق عن الحسن البصري قال: «جاءت قريش يطلبون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخله أحد. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قائما يصلي و أبو بكر يرتقب.
فقال أبو بكر: يا رسول اللّه هؤلاء قومك يطلبونك، أما و اللّه ما على نفسي أبكي و لكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تخف إن اللّه معنا»
و روى الإمام أحمد و الشيخان عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه قال: «قلت للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و نحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه» فقال: «ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما» [٢].
و روى أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة قال: «نسجت العنكبوت مرّتين مرة على داود حين كان طالوت يطلبه و مرة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في الغار».
و ذكر البلاذري في تاريخه و أبو سعيد في الشرف أن المشركين استأجروا رجلا يقال له علقمة بن كرز بن هلال الخزاعي- و أسلم عام الفتح- فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلى غار ثور [٣] و هو بأسفل مكة فقال: ههنا انقطع أثره و لا أدري أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل. فلما انتهوا إلى فم الغار قال أمية بن خلف: ما أربكم في الغار؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد. ثم جاء فبال.
و روى البيهقي عن عروة أن المشركين لما فقدوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ركبوا في كل وجه يطلبونه و بعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به و يجعلون لهم الجعل العظيم و أتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى طلعوا فوقه، و سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر و بكى و أقبل عليه الهمّ و الحزن و الخوف، فعند ذلك
يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة- ٤٠]
و دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فنزلت السكينة من اللّه
[١] أحمد بن سعد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي أبو جعفر بن أبي مريم المصري الحافظ عن أبيه و أبي اليمان و حبيب كاتب مالك و سأل ابن معين عن الرجال. و عنه و قال: لا بأس به. قال ابن يونس: توفي يوم عرفة سنة ثلاث و خمسين و مائتين. الخلاصة ١/ ١٤.
[٢] أخرجه البخاري ٥/ ٤ و مسلم في فضائل الصحابة (١) و أحمد في المسند ١/ ٤.
[٣] انظر. مراصد الاطلاع ١/ ٣٠٢.