سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - الباب الثاني في سبب هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و كفاية اللّه تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم فقال: «ما تنتظرون ههنا»؟ قالوا: «محمدا». قال: «خيّبكم اللّه، قد و اللّه خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا و قد وضع على رأسه ترابا و انطلق لحاجته، أ فما ترون ما بكم»؟ قال: «فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب»، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فيقولون: و اللّه إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. فقام عليّ رضي اللّه عنه من الفراش.
فقالوا: «و اللّه لقد صدقنا الذي كان حدّثناه». و ذهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى غار ثور.
و روى الحاكم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «شرى عليّ نفسه و لبس ثوب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم نام مكانه». و كان المشركون يرجون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فجعلوا يرمون عليّا و يرونه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جعل عليّ يتوضأ فإذا هو عليّ، فقالوا: إنك للئيم، إنك لتتضوّر [١] و كان صاحبك لا يتضوّر و قد استنكرناه منك.
و روى الحاكم عن علي بن الحسين رضي اللّه عنهما قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان اللّه عليّ، و قال في ذلك شعرا:
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى* * * و من طاف بالبيت العتيق و بالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به* * * فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر
و بات رسول اللّه في الغار آمنا* * * موقّى و في حفظ الإله و في ستر
و بتّ أراعيهم و ما يتّهمونني* * * و قد وطّنت نفسي على القتل و الأسر
قال ابن إسحاق: و كان مما أنزل اللّه عز و جل من القرآن في ذلك اليوم و ما كانوا أجمعوا له: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ بالوثاق و الحبس و الإثخان بالجرح (أو يقتلوك) بسيوفهم (أو يخرجوك)- من مكة- (و يمكرون)- يحتالون في أمرك- (و يمكر اللّه)- يجازيهم جزاء مكرهم فسمّى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته، و المعنى أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و اللّه تعالى منعه منهم و أظهره و قوّاه و نصره فضاع فعلهم و ظهر فعل اللّه عز و جل- وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]- لأن مكره حقّ، و إتيان هذا مما يحسن للمزاوجة و لا يجوز إطلاقه ابتداء لما فيه من إيهام الذّمّ، و هذه السورة مدنية، و هذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. و قد ذكّر اللّه تعالى النبيّه محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) نعمته عليه.
قال ابن إسحاق: و أنزل اللّه تعالى في ذلك فَذَكِّرْ- أي دم على تذكير المشركين و لا ترجع عنهم لقولهم لك كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ- جزما- وَ لا مَجْنُونٍ معطوف عليه- أَمْ- بل- يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ- أي حوادث
[١] قال ابن الأثير: أي تتلوى و تضيع و تتقلّب ظهرا لبطن. انظر النهاية ٣/ ١٠٥.