سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - الباب الثاني في سبب هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و كفاية اللّه تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
عامر بن لؤي- نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فواللّه ما نبالي أين ذهب و لا حيث وقع، إذا غاب عنا و فرغنا منه فأصلحنا أمرنا و ألفتنا [كما كانت] فقال الشيخ النجدي: لا و اللّه، ما هذا لكم برأي، أ لم تروا حسن حديثه و حلاوة منطقه و غلبته قلوب الرجال بما يأتي به؟ و اللّه لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله و حديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبّروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: و اللّه إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: و ما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابّا جلدا نسيبا وسيطا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي أخزاه اللّه: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى غيره.
و ذكر ابن الكلبي أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل لعنه اللّه قال:
الرّأي رأيان: رأي ليس يعرفه* * * هاد و رأي كنصل السّيف معروف
يكون أوّله عزّ و مكرمة* * * يوما و آخره جدّ و تشريف
و تفرّق القوم على ذلك و هم مجمعون له. فأتى جبريل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، و أخبره بمكر القوم و إذن اللّه تعالى له بالخروج. فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه،
فلما رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي و تسجّ ببردي هذا الحضرميّ الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم»،
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينام في برده ذلك إذا نام.
فلما اجتمعوا قال أبو جهل بن هشام: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب و العجم ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن و إن أنتم لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها.
فخرج عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك و أنت أحدهم».
و أخذ اللّه عز و جل على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم و هو يتلو هذه الآيات: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ١- ٩] فلم يبق منهم رجل إلا و قد وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.