سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣١ - الباب الثاني في سبب هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و كفاية اللّه تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
الباب الثاني في سبب هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و كفاية اللّه تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
روى ابن إسحاق و عبد الرّزّاق و الإمام أحمد و ابن جرير و ابن المنذر و الطبراني عن ابن عباس، و عبد الرّزّاق و عبد بن حميد عن قتادة، و البيهقي عن ابن إسحاق أن قريشا لما رأت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد كانت له شيعة و أصحاب من غيرهم بغير بلدهم، و رأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا و أصابوا جوارا و منعة، فحذروا خروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة- و هي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حين خافوه.
فاجتمعوا لذلك و اتّعدوا، و كان ذلك اليوم يسمّى يوم الزّحمة فاعترضهم إبليس لعنه اللّه في هيئة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشّيخ؟ قال:
شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون و عسى ألا تعدموا منه رأيا و لا نصحا. قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، و قد اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و أبو سفيان بن حرب- و أسلم بعد ذلك- [و من بني نوفل بن عبد مناف]: طعيمة بن عديّ، و جبير بن مطعم- و أسلم بعد ذلك- و الحرث بن عامر بن نوفل. و من بني عبد الدار بن قصيّ]: النّضر بن الحرث بن كلدة [و من بني أسد بن عبد العزّى]: أبو البختري بن هشام، و زمعة بن الأسود- و أسلم بعد ذلك- و حكيم بن حزام- و أسلم بعد ذلك، [و من بني مخزوم]: أبو جهل بن هشام، [و من بني سهم]: نبيه و منبّه ابنا الحجّاج، و من بني جمح: أميّة بن خلف، و من كان معهم، و غيرهم ممّن لا يعدّ من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، و إنّا و اللّه ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم- نقل السهيلي عن ابن سلّام أنه أبو البختريّ بن هشام- احبسوه في الحديد و أغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا و النابغة و من مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي- لعنه اللّه-: لا و اللّه ما هذا لكم برأي، و اللّه لو حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم- ذكر السهيلي أنه أبو الأسود ربيعة بن عمرو أحد [١] بني
[١] في أ: أخو.