سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣ - الثالث في الكلام على القسم الواقع هنا
تعالى، في مناسبته وجها آخر، و هو أن [سورة] الطور فيها ذكر ذرّية المؤمنين و أنهم تبع لآبائهم، و هذه فيها ذكر ذرّية اليهود في قوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النجم: ٣٢].
فقد روى ابن المنذر و ابن حبّان عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: «كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبيّ صغير هو صدّيق، فبلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها اللّه في بطن أمّه إلا أنه شقيّ أو سعيد».
فأنزل اللّه تعالى عند ذلك: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ الآية. و لما قال اللّه تعالى هناك في المؤمنين: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] أي ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين مع نفعهم بعمل آبائهم، قال هناك في الكفار أو في الكبار: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩]، خلاف ما ذكر في المؤمنين الصغار». انتهى.
أبو حيّان (رحمه اللّه): «هذه السورة مكية، و مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهر، لأنه تعالى قال: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ [الطور: ٣٣] أي اختلق القرآن، و نسبوه إلى الشّعر، و قالوا هو كاهن، هو مجنون، فأقسم تعالى أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما ضلّ، و أن ما أتى به هو الوحي من اللّه. و هي أول سورة أعلن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بقراءتها في الحرم، و المشركون يسمعون، و فيها سجد و سجد معه المؤمنون و المشركون و الجن و الإنس غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته و قال يكفي هذا». قلت: ذكر أبي لهب هنا غريب.
روى الشيخان و غيرهما عن ابن مسعود قال: أول سورة نزلت فيها سجدة، النجم، فسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و سجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته قتل كافرا و هو أمية بن خلف. و روى ابن مردويه و ابن خلف عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سجد في النجم و سجد من حضر من الجن و الإنس و الشجر، زاد ابن أبي شيبة إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة، و سمى أحد الرجلين المبهمين في الرواية السابقة، و الثاني الوليد بن المغيرة كما عند ابن سعد. و روى البخاري عن ابن عباس قال:
سجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالنجم و سجد معه المسلمون و المشركون و الجن و الإنس.
الثالث: في الكلام على القسم الواقع هنا.
الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في الإتقان: [و قد قيل ما معنى القسم منه تعالى؟ فإنه إن كان لأجل المؤمن] فالمؤمن يصدّق بمجرد الإخبار من غير قسم، و إن كان لأجل الكافر فلا يفيده، و أجيب بأن القرآن نزل بلغة العرب، و من عادتها القسم إذا أرادت أن تؤكد أمرا.
و أجاب الأستاذ- بضم الهمزة و بالذال المعجمة- أبو القاسم القشيري (رحمه اللّه تعالى)