سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٧ - الباب الأول في إذن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) للمسلمين في الهجرة إلى المدينة
فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقي امرأة تحمل طعاما فقال لها: أين تريدين يا أمة اللّه؟
قالت: أريد هذين المحبوسين. تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعهما، و كانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه: ذو المروة، لذلك ثم حملهما على بعيره و ساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت؟* * * و في سبيل اللّه ما لقيت
ثم قدم بهما على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم تتابع المهاجرون أرسالا فنزل طلحة بن عبيد اللّه و صهيب بن سنان على خبيب- بضم الخاء المعجمة و فتح الوحدة- ابن إساف- بكسر الهمزة- بالسّنح و يقال: بل نزل طلحة بن عبيد اللّه على أسعد بن زرارة.
و روى ابن سعد عن سعيد بن المسيّب أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفّار قريش:
أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا و بلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك و نفسك و اللّه لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أ تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم.
قال: فإني جعلت لكم مالي.
قال: فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: «ربح صهيب ربح صهيب» [١].
قال ابن سعد: لما قدم أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أرسالا فنزلوا في الأنصار في دورهم و آووهم و نصروهم و آسوهم، و كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). قال ابن إسحاق و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، و لم يتخلّف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب و أبو بكر بن أبي قحافة رضي اللّه عنهما.
و كان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الهجرة فيقول له: «لا تعجل لعل اللّه يجعل لك صاحبا».
فيطمع أبو بكر أن يكونه.
قال ابن سعد: و كان نفر من الأنصار بايعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في العقبة الآخرة، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة، حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون و هم: ذكوان بن عبد قيس [بن خلدة الزّرقي]، و عقبة بن وهب بن كلدة و العبّاس [ابن عبادة] بن نضلة و زياد بن لبيد [بن ثعلبة الخزرجي البياضي].
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ١/ ٦٢ و ذكره ابن حجر في المطالب (٤٠٦٣).