سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٦ - الباب الأول في إذن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) للمسلمين في الهجرة إلى المدينة
اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا و عيّاش بن أبي ربيعة و هشام بن العاص [بن وائل] السّهميّ التّناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، و قلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا و عيّاش بن أبي ربيعة عند التناضب و فطن لهشام قومه فحبسوه عن الهجرة و فتن فافتتن. ثم إن أبا جهل و الحارث بن هشام- و أسلم بعد ذلك- خرجا حتى قدما المدينة، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة، فقالا لعيّاش بن أبي ربيعة و كان ابن عمّهما و أخاهما لأمهما: إن أمّك قد نذرت ألّا يمسّ رأسها مشط حتى تراك و لا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقّ لها. فقلت له: يا عيّاش إنه و اللّه إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فواللّه لو قد آذى أمّك القمل لامتشطت، و لو قد اشتدّ عليها حرّ مكة لاستظلّت. فقال: أبرّ قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه. فقلت: و اللّه إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشا مالا فلك نصف مالي و لا تذهب معهما. فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما. فلما أبي إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: و اللّه يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أ فلا تعقبني على ناقتك هذه؟. قال: بلى.
قال: فأناخ و أناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا و فتناه فافتتن و دخلا به مكة نهارا موثقا، ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال عمر: فكنا نقول: ما اللّه تعالى بقابل ممّن افتتن صرفا و لا عدلا و لا توبة، قوم عرفوا اللّه ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: و كانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة أنزل اللّه تعالى فيهم و في قولنا و قولهم لأنفسهم قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣، ٥٤، ٥٥].
قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: فكتبتها بيدي في صحيفة و بعثت بها إلى هشام بن العاصي. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعّد بها فيه و أصوّب و لا أفهمها حتى قلت: اللهم فهّمنيها قال: فألقى اللّه تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا و فيما كنا نقول في أنفسنا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). هذا ما ذكره ابن إسحاق في شأن هشام.
قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال و هو بالمدينة: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة و هشام بن العاصي؟» فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول اللّه بهما.