سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - الباب الثاني في فضلهم و حبهم و الوصية بهم و التجاوز عن مسيئهم و النّهي عن بغضهم
السائب بن يزيد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قسم الفيء الذي أفاء اللّه تعالى بحنين من غنائم هوازن، فأحسن، فذكر الحديث و فيه: ثم قال: «يا معشر الأنصار ألم يمنّ اللّه عليكم بالإيمان و خصّكم بالكرامة و سمّاكم بأحسن الأسماء: أنصار اللّه و أنصار رسوله؟ و لولا الهجرة لكنت امرأ أنصاريا و لو سلك الناس واديا و سلكتم واديا لسلكت واديكم، أو لا ترضون أن يذهب الناس بالشّاء و النّعم و تذهبون برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)»؟ قالوا: قد رضينا. قال: «أجيبوني فيما قلت».
قالت الأنصار: يا رسول اللّه وجدتنا في ظلمة فأخرجنا اللّه بك، و وجدتنا على شفا حفرة من النار فأيّدنا اللّه بك، و وجدتنا ضلّالا فهدانا اللّه بك، فرضينا باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا فاصنع يا رسول اللّه ما شئت فأوسع الحل. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت صدقتم، لو قلتم: ألم تأتنا طريدا فآويناك، و مكذّبا فصدّقناك، و مخذولا فنصرناك، و قبلنا ما ردّ الناس عليك؟ لو قلتم هذا لصدقتم». فقالت الأنصار: «بل اللّه ذو الفضل علينا و على غيرنا». ثم بكوا فكثر بكاؤهم و بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) معهم. رواه الطبراني في الكبير
[١].
و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و عليه ملحفة متعطّفا بما على منكبيه و عليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإن الناس يكثرون و تقلّ الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام. فمن ولي منك أمرا يضرّ فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم». رواه البخاري
[٢].
و عن أنس رضي اللّه عنه يرفعه: «الأنصار كرشي و عيبتي و الناس سيكثرون و يقلّون فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم»، رواه البخاري
[٣].
و عن أنس أيضا، مرّ أبو بكر و العباس رضي اللّه عنهما بمجلس من مجالس الأنصار و هم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا، ذكرنا مجلس النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) منا، فدخل على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد عصب على رأسه حاشية برد، قال فصعد المنبر و لم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي و عيبتي و قد قضوا الذي عليهم و بقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم [٤]»، رواه الشيخان و النسائي و الترمذي.
و عن أسيد بن حضير يرفعه: «الأنصار كرشي و عيبتي و إن الناس يكثرون و هم يقلون،
[١] أخرجه الطبراني في الكبير ٧/ ١٨٠ و ذكره السيوطي في الدر ٣/ ٢٧٠ و عزاه للطبراني.
[٢] أخرجه البخاري ٦/ ٦٢٨ (٣٦٢٨).
[٣] أخرجه البخاري ٧/ ١٥١ (٣٨٠١).
[٤] أخرجه البخاري ٧/ ١٢٠ (٣٧٩٩).