المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦٦ - فمن الحوادث فيها قصة القادسية
يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا، فلم يرض أن يخرج حتى سلب فارس الجند، و هتك أطناب بيته، فطلبناه فأدركه الأول، و هو فارس الناس، يعدل بألف فارس فقتله، ثم أدركه الثاني و هو نظيره فقتله، ثم أدركته و لا أظنني خلفت بعدي من يعدلني، فرأيت الموت فاستأسرت.
ثم أخبرهم بأن الجند عشرون و مائة ألف، و أن الأتباع مثلهم خدام لهم، و أسلم الرجل و سماه سعد مسلما، و عاد إلى طليحة و قال: و اللَّه لا يهزمون على ما أرى من الوفاء و الصدق و الإصلاح، لا حاجة لي في صحبة فارس، فكان من أهل البلاء يومئذ.
و قال سعد لقيس بن هبيرة [١]: أخرج حتى تأتيني بخبر القوم، فخرج و سرح عمرو بن معديكرب، و طليحة، فإذا خيل القوم، فأنشب قيس القتال و طاردهم، فكانت هزيمتهم، و أصاب منهم اثني عشر رجلا و ثلاثة أسراء و أسلابا، فأتوا بالغنيمة سعدا.
فلما أصبح رستم [٢] تقدم حتى انتهى إلى العتيق فتباسر حتى إذا كان بحيال قديس خندق خندقا بحيال عسكر سعد، و كان رستم منجما، فكان يبكي مما يرى من أسباب تدل على غلبة المسلمين إياهم، و مما رأى أن عمر دخل عسكر فارس و معه ملك، فختم [على] سلاحهم ثم حزمه و دفعه إلى عمر.
و كان مع رستم ثلاثة و ثلاثون فيلا، في القلب ثمانية عشر، و في المجنبتين خمسة عشر [فيلا]، منها فيل سابور الأبيض، و كان أعظم الفيلة.
فلما أصبح رستم [٣] من ليلته التي بات بها في العتيق، ركب في خيله، فنظر إلى المسلمين، ثم صعد نحو القنطرة و حرز [الناس] [٤]، و راسل زهرة، فخرج إليه و أراد أن يصالحهم، و جعل يقول: إنكم جيراننا، و قد كانت طائفة منكم في سلطاننا، فكنا نحسن جوارهم [٥]، و نكف الأذى عنهم، و نوليهم المرافق [٦] الكثيرة، [فنرعيهم
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٥١٤.
[٢] تاريخ الطبري ٣/ ٥١٥.
[٣] تاريخ الطبري ٣/ ٥١٧.
[٤] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و في أ: «و حرزهم الناس».
[٥] في الأصل: «فكنا نحمي جوارهم».
[٦] في الأصل: «المراعي الكثيرة». و التصحيح من الطبري.