المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨٦ - ٢١٥- عمرو بن معديكرب بن عبيد اللَّه بن عمرو بن عصم بن عمرو بن زبيد، أبو ثور الزبيدي
قلت: أنا عمرو بن معديكرب، فقال: يا أبا ثور ما أنصفتني، أنت على ظهر فرسك، و أنا في بئر، فاعطني عهدا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي و آخذ حذري، فأعطيته عهدا ألا أقتله حتى يركب فرسه و يأخذ حذره، فخرج من الموضع الّذي كان فيه، ثم اجتبى بسيفه و جلس، فقلت: ما/ هذا؟ قال: ما أنا براكب فرسي و لا بمقاتلك، فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت.
ثم اني خرجت يوما آخر حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه، فلم أر أحدا فأجريت فرسي يمينا و شمالا، فإذا أنا بفارس، فلما دنا مني إذا هو غلام وجهه من أجمل من رأيت من الفتيان و أحسنهم، و إذا هو قد أقبل من نحو اليمامة، فلما قرب مني سلم، فرددت عليه و قلت: من الفتى؟ فقال: الحارث بن سعد فارس الشهباء، فقلت له: خذ حذرك فإنّي قاتلك، فمضى و لم يلتفت إليّ فقلت له: يا فتى خذ حذرك فإنّي قاتلك.
قال: الويل لك، من أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معديكرب، قال: الحقير الذليل، و اللَّه ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك، قال: فتصاغرت نفسي إليّ و عظم عندي ما استقبلني به، فقلت له: خذ حذرك، فو اللَّه لا ينصرف إلا أحدنا، قال: أغرب ثكلتك أمك فإنّي من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط، فقلت: هو الّذي نسمع، فاختر لنفسك، فقال: إما أن تطرد لي أو أطرد لك، فاغتممتها منه فقلت: أطرد لي، فأطرد و حملت عليه حتى إذا قلت إني قد وضعت الرمح بين كتفيه إذا هو قد صار حزاما لفرسه ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي و قال: يا عمرو خذها إليك واحدة، فو اللَّه لو لا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فتصاغرت إلي نفسي و كان الموت و اللَّه يا أمير المؤمنين أحب إلى مما رأيت، فقلت: و اللَّه لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر لنفسك، فقلت: أطرد لي فأطرد، فظننت أني قد تمكنت منه، فاتبعته حتى إذا ظننت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه، فإذا هو قد صار لببا لفرسه، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة و قال: يا عمرو خذها إليك اثنتين/ فتصاغرت إلي نفسي فقلت: و اللَّه لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر لنفسك، فقلت:
أطرد لي، فأطرد حتى إذا قلت وضعت الرمح بين كتفيه، و ثبت عن فرسه، فإذا هو على الأرض فأخطأته و مضيت فاستوى على فرسه فاتبعني فقرع رأسي بالقناة، و قال: يا عمرو خذها إليك ثلاثا، و لو لا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فقلت له: اقتلني أحب إليّ مما أرى بنفسي و أن يسمع فتيان العرب هذا، فقال لي: يا عمرو، إنما العفو ثلاث مرات،